ذلك بأنّ المسلمين حين اتّسعت دائرة تفكيرهم واحتاجوا إلى مناقشة ما جدّ من مسائل فكرية توسّلوا بالمنطق في الاستدلال والمناظرة ، وهو علم لم يكن له عندهم وجود ، وإنّما نقلوه ليخدموا به عقيدتهم ، وهم لم يستعيروا من غيرهم المنطق فحسب ، وإنّما استعاروا كل سلاح فكري يمكن أن يخدموا به دينهم ، وأخذوا من كل حضارة علمية أو عقلية ما يستطيعون به تدعيم فكرتهم .
مثل ذلك ما حدث بالنسبة للفلسفة ، فحين أحسّ بعض العلماء أنّ الفلسفة بجانب الدين من شأنها أن تقوّيه ، استعاروا فلسفة اليونان ، وصبغوها بلون تفكيرهم ، فإذا بهذه الفلسفة التي خدمت الوثنية في نشأتها ، واستعانت بها الكنيسة في خدمة التثليث من بعد ، توجّه عند المسلمين إلى خدمة المعاني القرآنية ؛ كإثبات الوحدانية ، والقدم ، والبقاء ، والرسالة ، والمعاد وغيرها .
وأمّا الاهتمام بالحديث فأساسه اهتمام المسلمين بأحكام القرآن ، فإنّ روح الإجمال الذي يسيطر على أسلوب الكتاب في كثير من الأحكام اقتضى البحث عن الحديث ، لأنّ الرسول صلوات اللَّه عليه وآله هو الذي كان يتولّى الإبانة والإيضاح
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ »
« 1 »
.
ومن هنا اشتدّت العناية بجمع ما روي عن رسول اللَّه ، فتكوّنت ثروة حديثية ضخمة لا مثيل لها في الشرائع ، وأدّى ذلك إلى تكوّن الحديث روايةً ودرايةً ، والعناية بمسائل علم الجرح والتعديل .
وقد برز في استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة فقهاء نوابغ ، استطاعوا بفضل اجتهادهم أن يجعلوا الفقه يساير الزمن ، واستحقّوا بسبب تفانيهم في خدمة الشريعة أن يكونوا قادةً للفكر ، وأصحاب مدارس للرأي ، وأئمة لمذاهب فقهية مختلفة تزداد نموّاً وازدهاراً بفضل الاجتهاد الذي لولاه ما وجد أئمة الفقه ، أربعة كانوا أو
هامش
( 1 ) . النحل : 44