المؤمنين ، ولو أنّ هذا الكتاب الكريم نزل بلغةٍ غير العربية لكرّس هؤلاء حياتهم لها ، ولقدّموا من الخدمات لها مثل ماقدّموه للعربية .
وكان من نتيجة الاهتمام البالغ بالعربية أنّها أصبحت لغة العلم والعلماء عند المسلمين ، كمثل اللغة اللاتينية التي كانت لغة العلم عند الغربيين قروناً عديدة ، بل أصبحت كلمة العربية مرادفة لكلمة الإسلام ، والمستشرقون إلى الآن في تعبيراتهم يأخذون بهذا المعنى الأخير .
وكما أدّى اهتمام المسلمين بألفاظ القرآن إلى وضع علوم اللغة ، كذلك أدّى اهتمامهم بمعانيه إلى فتح أبواب علوم كثيرة جعلت من هذه الأمة رائداً للفكر البشري ، وموطناً للمعارف والعلوم قروناً وقروناً .
فما في القرآن من المباحث الروحية أوحى بكثير من المعارف الكلامية والسلوك الروحي .
وما فيه من الأمر بالتدبّر والنظر فيما خلق اللَّه فتح آفاقاً جديدةً للفكر حول الأرض والأرضيات والسماء والسماوات ، وحول قدرة اللَّه الخالق المبدع المصوّر .
وما فيه عن القبلة ومواقيت الصلاة والأهلّة كان له أكبر الأثر في العناية بالحساب والفلك وتقويم البلدان .
وما فيه من قصص السابقين وأخبار الأنبياء والمرسلين أغرى بالتطلّع في التاريخ من أقدم العصور .
وما فيه من ذكر للتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية دفع إلى البحث في كتب الأقدمين ، والعناية بدراسة لغاتها بتدقيق .
بل أنّ المعارف الكلامية وما انبثق عنها من معارف فكرية بين المعتزلة والأشاعرة وغيرهم ، إنّما كان أساسها الفهم من القرآن ، وقد تمخّض الخلاف بين هؤلاء وأولئك مع ما لازمه من العنف والشدّة في بعض الأحايين عن صقل في الفكر ، وتقدّم في أساليب النظر .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 244
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٤٤