جميعاً ، لا فرق بين أبيضهم وأسودهم ، فاستمسكوا به ، وتوجّهوا بقلوبهم إليه ، وبذلوا جهدهم ليجيدوا قراءته ، وليفهموا معانيه ، وليدركوا أسراره . وهكذا التقت العقول في صعيده ، وتركّزت الأفكار حوله ، وامتلأت القلوب بما فيه من مبادئ إنسانية سامية ، ومن مثالية رفيعة ، فذابت العصبيات في الأفراد ، وبطلت العنصريات في المجتمع ، وتكوّن من شتّى الشعوب المسلمة أمة واحدة ، لا تؤمن بجنسية إلّا جنسية العقيدة ، ولا تتعصّب لفكرة سوى فكرة التوحيد ، ولا تعتزّ بمبدأ إلّا بمبادئ الإسلام .
ولولا ما وقع من الأحداث في هذه الأمة ، وما اقترفه الحكّام من جور وعسف ، وإحياء للنعرات العنصرية ، وإثارة للعصبيات المذهبية ، لولا هذا وأمثاله لكانت حالنا اليوم غير هذه الحال ، ولكانت ثقافتنا في الطليعة ، تطّرد في النمو ، وتأخذ دائماً بيد البشرية إلى المعاني السامية ، وتصونها من التردّي في حمأة المادية الجافّة التي تجرّ إلى الدمار ؛ لبعدها عن المعاني الروحية .
إنّ ما فعله الحكّام كان يكفي للقضاء على أيّة فكرة جديدة - لا سيّما والذين اعتنقوا الإسلام لم يعتنقوه إلّامتأثّرين بما فيه من مثالية رفيعة - فما الذي أبقى على الفكرة الإسلامية ؟ وما الذي أقرّ الطمأنينة في نفوس المسلمين ؟ وما الذي ضاعف ثقتهم بهذا الدين رغم ما رأوه من انحراف وما تعرّضوا له من عنت ، ورغم الفتن العظمى ، وما أصاب كثيراً من الحقائق من مسخ وتشويه ؟
إنّه القرآن وحده ! لقد بقي سليماً ، ووقف في الميدان يبدّد من القلوب اليأس ، ويمحو من النفوس رواسب الضعف ، ويشرق على العقول بما فيه من مبادئ ومثل لا يضيرها أن تعطل حيناً ، ولا تنال منها كثرة الفتن ، بل يستعان بها على الخروج من كل فتنة ، مصداقاً لحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الذي رواه علي أمير المؤمنين ( ع ) والذي يقول فيه :
« سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول :
إنّها ستكون فتن ،
قلت : فما المخرج منها يا
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 242
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٤٢