تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
رسول اللَّه ؟ قال : كتاب اللَّه ، فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة ردّ ، ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذي من تركه من جبّار قصمه اللَّه ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللَّه ، هو حبل اللَّه المتين ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي من عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه دعا إلى صراط مستقيم » . وكتاب هذه صفته لابد أن يجد من المؤمنين به أشدّ الاهتمام ، وأول مظهر من مظاهر اهتمامهم به شدّة حرصهم على قراءته ، فلقد تعلّم الأميون من العرب القراءة والكتابة ليقرؤوه ويكتبوه ، وتعلّم المسلمون من غير العرب لغة الضاد ليقرؤوه ويتدارسوه ، فكان أعظم مؤثّر في تثقيف الأمة ، واللَّه أعلم حيث سمّاه قرآناً وكتاباً ، وهما الوصفان البارزان للقراءة والكتابة . وحين لمسوا الحاجة إلى ضبط إعرابه وكلماته لتوقّف فهم المعنى الصحيح على ذلك ؛ زادت عنايتهم بالنحو والصرف ، واهتمّوا بمعاني مفرداته وغريب كلماته ، فتعمّقوا في اللغة ، وتضلّعوا فيها ، ودرسوا ما ورد من أشعار الأقدمين ، واستتبع هذا وضع المعاجم والقواميس ، وبحث المغازي والأيام . ثم اهتمّوا بفصاحته وإعجازه ، فوضعوا علوم البلاغة من المعاني والبيان . ومن الطريف أنّ فريقاً درس « العروض » لا ليقرض الشعر ، ولكن ليثبت أنّ القرآن ليس بشعر ! ولقد شارك في كل هذا بأوفى نصيب مسلمون لم تكن لغتهم العربية ، ولم تكن بلادهم في أرض الجزيرة : كالزمخشري وسيبويه والفيروزآبادي وأبي علي الفارسي والجرجاني وغيرهم من مختلف بلاد المسلمين ؛ كسمرقند وبخارى وغرناطة وقرطبة . فلماذا كرّس هؤلاء حياتهم وسخّروا نبوغهم لخدمة لغةٍ ليست لغتهم ؟ إنّهم فعلوا ذلك لأنّ العربية هي لغة القرآن ، والقرآن هو كل شيء في حياة