ومع يقيننا من أنّ الدعوات العاطفية تمشي سريعة في الناس إن أمكن إثارة عواطفهم ، والدعوات المنهجية تسير وئيدة بطيئة ، فقد اخترنا هذه دون تلك ، لأنّ الأولى تزول بزوال المؤثّر ، والثانية تدوم بداوم الفكرة ، وفرق كبير بين جهدٍ يبذل لإثارة العواطف ، وبين جهودٍ كبيرةٍ تُبذل للإغراء بالدراسة والبحث .
ولذلك جعلت الفكرة على أكتاف مجموعة ممتازة من الرجال العاملين ، الذين بذلوا جهودهم ، وجعلوا الفكرة سمتهم ، فكان لهم تأثيرهم ، وانضمّ إليهم كل عالم ومفكّر ، واشتركوا جميعاً في حمل هذه الدعوة ، لأنّها جاءت كمدرسة فكرية تقوم على أساس علمي مدروس .
إنّ مدرسة التقريب ما جاءت لإزالة الخلاف ، بل جاءت للدراسة فقط ، والدراسة أظهرت أنّ هناك خلافات أوجدتها الكراهية ، وأقبل عليها المقبلون حبّاً في الخلاف ، وهذا النوع كان مصدر البلاء ، وسبب التقاطع والتدابر ، وهذا خلاف نأباه . وهناك خلاف في الرأي وخلاف حول الرواية ؛ يقوم لثبوت رواية أو عدم ثبوتها ، فلا بأس على الباحث المسلم أن يختلف مع غيره فيه ، ما دام الخلاف يجول في ميدان لايضرّ الخلاف فيه بالإيمان ، وهذا الخلاف هو الذي ترضى به وترحّب به مدرسة التقريب ، بل وتظهره حين ترى أنّ إبرازه يفتح آفاقاً علميةً جديدةً ، والخطوات المستمرّة في التقريب جاءت واحدة تلو أخرى ، على هذا الأساس تواجه الحقائق ولا تتهرب منها ، لا تتستّر على خلاف ، ولا ننكر على المسلمين حقّهم في أن يبحثوا وأن يختلفوا ما دام هذا مستمدّاً من دليل ثبتت دليليته شرعاً .
فالدليل لابدّ أن يُحترم ، من أيّ أفق طلع .
ومن المعروف أنّ دعوة التقريب لم تقم على أساس تنازل أيّ فريقٍ عن جزء ممّا عنده إرضاءً للفريق الآخر ، ولا اجتذاب العواطف على حساب أيّ حقيقة من الحقائق ، أو على حساب تشويه التاريخ ، بل كانت دعوة صريحة تهتم بموارد الخلاف ، وكنّا كلّما تقدّمنا في هذا الميدان ازداد إيماننا بأنّ الأكثرية الساحقة تلتقي في كثير من نقط الوفاق .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 233
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٣٣