وكم هو مؤسف أن مظهراً يمكن أن يستفاد من وفاقه ، يعطي صورة الخلاف المطلق ، كل صنف منعزل عن الآخر ، ودارس هذا غير دارس ذاك ، اللّهم إلّاأن يقصد الدارس اصطياد شاذّ ليهاجم به الآخر كسندٍ يمكن أن يعتبر نقطة ضعف ، وعلى سبيل المثال في الأحكام ، هذه الصلاة ، وهذا الصوم ، وهذا الحج ، وغير ذلك من العبادات التي نحمد اللَّه تعالى على أنّ المسلمين اليوم يعرفون أنّهم متّفقون فيها ، وإذا كان هناك خلاف مثلًا في الصلاة فلا يتجاوز مسألة الجهر والإخفات بالبسملة ، أو وضع اليدين أو إرسالهما الذي هو موجود بين مذاهب أهل السنّة نفسها ، مع أنّ مجموعة الأحكام في الصلاة تبلغ المئات .
هل ورد في الكتاب الكريم بشأن هذه العبادات أكثر من آية أو آيات معدودة ك « أقم الصلاة » ، أو
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ »
، أو
« وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ »
، مع ترك الشرح والتفسير وبيان الأركان والشروط والواجبات وما يستحبّ للسنّة ، وإذا لم تكن السنّة بطريقها في الروايات متفقة ، هل كانت هذه الشعائر تؤدي بالصورة الوفاقية ؟
فالروايات إذاً مع اختلافها من حيث الطرق ، متفقة على إثبات ما هو المهم في الأحكام ، وإذا بدأ التقريب يجمع ما هو متفق عليه ، فهذا - فضلًا على أنّه يتمشّى مع مبدئه - فإنّه لا يمسّ التراث الإسلامي بحذف أو تعديل أو تحريف ، فهو يرى أنّه مع بقاء صحاح كلّ فرقة على ما هي عليه إذا جمع ما هو متفق عليه بين الصحاح تظهر النتيجة ، بحيث يجد المسلمون فيها عجباً عجاباً ، فيصبح ما يتصوّرونه السند القوي للخلاف خير برهان للوفاق ، ونتخلّص بذلك من كثير من محاولات التبعيد والتقطيع ، وفي نفس الوقت ، فإنّ الروايات الخلافية تبقى في دائرتها الخاصة ، وهي محدودة طبعاً ، ويسهل على الدارس أن يتعمّق في في الروايات التي ينفرد بها فريق دون آخر ، هذا وإنّ الروايات الشاذّة عند فريق يوجد في الغالب مثلها عند الفريق الآخر ، وتعتبر شاذّة في نظر مخالفيه .