وكيف يمكن أن تعالج على أساس عاطفي مشكلة عمرت قروناً ، وملأت صحائف التاريخ ، وتحصّنت وراء الأقلام المفرّقة أحياناً ، والمأجورة في أكثر الأحايين ، مشكلة رسّخت في النفوس أوهاماً أصبح الناس يعتبرونها حقائق ثابتة ؟ !
تلك هي مشكلة تشكّك كل فريق في كل ما يصدر عن الفريق الآخر ، بل في كل ما يعتقد به ، مشكلة بغض كل فرقة للأخرى ، واتّخاذ البغض شعاراً يدفع إلى تصديق كل ما يقال في الخصوم ، بل توهّم كل ما ليس بحسن وإلصاقه بالخصوم .
ونحن لسنا بصدد حالة الفريقين حين بدأت فكرة التقريب ، وكيف كان أهل السنّة يعتقدون أنّ القرآن عند الشيعة يختلف عمّا هو عندهم ، وكيف كانوا يؤوّلون معاني العبادات ، حتّى لكأنّ الصلاة عندهم لم تكن للَّه ، وكأنّ السجود لم يكن إلّا للتراب ، وكأنّ الحج لم يكن يقصد به إلّاما يخجل الإنسان من ذكره ، بل كانوا يرون أنّ الشيعة إن لم يكونوا يؤلّهون علياً فإنّهم على الأقلّ يرونه أحقّ بالنبوّة من سواه ؟ !
وأمّا مطاعن الشيعة ، فأقلّ ما كانوا يقولون في أهل السنّة أنّهم مجسِّمة ، وأنّهم نواصب ، وأنّهم يكرهون أهل البيت ( ع ) !
أمّا عن كتب هؤلاء وهؤلاء ، فقد انعدمت سنّة الاطّلاع فيها ، اللّهم إلّالتصيّد بعض الشواذّ التي تستغل في التجريح وتوسيع شقّة الخلاف بين الفريقين .
فهل كان للتقريب أن يرسم خططه على أساس ترك الرواسب كما هي ، وترك المسلمين كلّاً على رأيه ، واتّخاذ طريق الخطب العاطفية ، والتودّد المؤقّت ، أم نفتح طريقاً للبحث والدراسة ، ونجعل شعاره القراءة والاطّلاع لنعالج المشكلة على أساس مدروس يبقى على الزمن ؟
ولو أنّنا أخذنا المسألة من الجانب الأكثر يسراً ، وجعلنا العلاج على أساسٍ من العاطفة ، لكان الطريق أمامنا سهلًا ، لكنّنا نكون مخدوعين إن حسبنا أنّ هذا علاج ناجع للمشكلة ، إنّنا بهذا ربّما نخفيها حيناً ، لكنّها بغير شكّ تبرز مرةً أخرى حين تريد السياسات المفرّقة أو الأغراض الذاتية .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 232
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٣٢