تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
سوء فهم الخلاف المذهبي على حقيقته ، جاءت لتضع الأمور في نصابها بالنسبة لأيّ خلاف ، فلم تحاول إجراء علاج مؤقّت ، أو تخدير موضع المرض ، أو تهدئة الخواطر بكلمات معسولة ، وإنّما جاءت لتكون مدرسةً لها منهاج واضح ، وهدف محدود ، وشتّان بين مدرسة فكرية تقوم على أسس مدروسة ، وقواعد محدودة ، وبين خطب رنّانة ومقالات عابرة . وليس معنى هذا أنّنا نقلّل من قيمة أيّ مجهود بذل ، فكلّ مجهود فردي سبقنا كان له تأثيره ، ولكن في محيط محدود ، ولزمنٍ محدود ، وسيجزي اللَّه كل مجاهد عن الإسلام بمقدار ما قدم ، ولعلّنا انتفعنا كثيراً من تلك المحاولات الفردية ، بل أنّنا على ضوء تلك الجهود أدركنا أنّ وضع الدعوة على أساس علمي مدروس ، وعلى أكتاف رجال لهم قيمة ومكانة يضمن لها النجاح الشامل ، كما يكتب لها الخلود ، لأنّ كل علاج على أساس عاطفي سرعان ما يزول . إنّ إثارة العواطف أمر سهل ميسور ، وإنّ كلمةً تلقى في ظروف مناسبة كفيلة بأن تحرّك العواطف وتهزّ القلوب ، لكن هذا التأثير بقدر ما يكون سهلًا سريعاً تزول آثاره بنفس السرعة والسهولة بزوال الظروف المؤاتية ، أو بطروء طارئ جديد ، والعواطف كما يمكن إثارتها لفكرةٍ ما ، يمكن أن تثار على نفس الفكرة إذا هيّجت ضدّها ، وإذا فرض وأثّرنا اليوم على فرد من الأفراد أو مجموعة من الناس ، فكيف نضمن غداً أنّ هذا الفرد أو هذه المجموعة لا تقع تحت تأثير من يخالفنا . إنّ الرجل قد يكون من القوة الروحية والمنطقية بحيث يؤثّر في من يستمع إليه ، إلّا أنّ ذلك التأثير محدود طبعاً بزمانه وبسامعيه ، ومثل هذا لا يناسب دعوةً تريد أن تبقى كأساس حي يرجع إليه في أيّ زمان ومكان ، فلابد لها إذاً من قواعد محدّدة ، وآثار ثابتة ، لتبقى كمرجع ثابت قوي ، ولعلّ هذا يفسّر لنا سرّ الإيحاء إلى كلّ نبي من المرسلين بكتاب سماوي ، ليكون المرجع الثابت والأثر الباقي الذي يحكم الناس بقواعده ، ويرجعون إلى تعاليمه .