تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢

الفصل الثاني : ابن سينا : بين الفرس والعرب

رغم تقدّم العلوم واتّساع دائرة البحوث في العصر الحديث ، تلاحظ أنّ السماحة العلمية في عصر ابن سينا كانت أكثر جدّاً ممّا هي عليه الآن ، وأعني بالسماحة العلمية : تجرّد العلماء من التعصّب لبلد أو لغة ، وإقبال طلّاب العلم على مؤلّفات العلماء ، دون نظر إلى مذهب المؤلّف أو عنصره . نعم ، لم يتعصّب العلماء القدامى للغاتهم الأصلية ، وإنّما التمسوا اللغة التي رأوها أصلح لإبراز أفكارهم ، وأنسب لتبليغ آرائهم ، فاعتبروها لغتهم والتزموها . وهذا التسامح بالنسبة للغة لم يقتصر على محيط العلماء ، بل تعدّاه إلى كل بيئة ومكان حتّى شمل بعض الملوك المتنافسين والبلاد المتناحرة ، وخير مثل لذلك ملوك آل عثمان وملوك الدولة الصفوية ، فالسلطان سليم والشاه إسماعيل كلاهما كان يتذوّق الشعر ويقرضه ، إلّاأن الأوّل وهو السلطان سليم التركي كانت جلّ أشعاره بالفارسية ، وله ديوان في الشعر الفارسي ، والثاني وهو الشاه إسماعيل الصفوي كان يقرض أشعاره بالتركية . هذا رغم الخصوصية واللدد بين الصفويين وآل عثمان ، وبين السلطان سليم والشاه إسماعيل بالذات ، ورغم الحروب الدامية بين فارس وتركيا ، ورغم الاختلاف المذهبي الشديد بين الدولتين ، إذ كان العثمانيون يحكمون باسم السنّة ، والصفويون تقوم حكومتهم على الدعوة للتشيع ،