ووضع الواضعين ، فإذا جرى البحث فيما يحذف وفيما يبقى بين هؤلاء وهؤلاء ، فعلى أيّ أساس يكون ذلك ، ومن الذي يؤخذ برأيه ، ومن الذي يهمل ؟ أم نحذف هذا وذاك مضافاً إليه ما لا يتمشّى ومذاهب أصحاب المعارف الكلامية ، وما لايقرّه الطبّ الحديث بشأن الصوم ، أو ما وصل إلى خلافه علماء الفلك ، أو لايتّفق مع الذوق ! ! ولو اقتحم هذا الميدان اثنان أو ثلاثة فلن يبقى لنا بفضلهم من هذا التراث شيء .
ونحن إذا نظرنا إلى الحديث من ناحية القداسة الدينية ، وأنّه كلام فوق كلام البشر ، فليس لنا أن نقيسه بالمقاييس العادية ، أو نحكم عليه بعقولنا البشرية المحدودة ، وإذا نظرنا إليه نظرة عادية فليس لنا حقّ التصرّف فيه ، فالكلام المادي قد يتّفق مع بعض الأمزجة ويختلف مع بعضها الآخر .
فواجبنا إذاً أن نبقي عليه ، مع ملاحظة أنّ من سبقونا غربلوا ما وصل إليهم ، وسجّلوا ما ثبت عندهم وإن كان يخالف مذهبهم ، حفظاً لهذا التراث واحتراماً لقداسته ، وبلغ الحرص ببعضهم أن جمعوا ما نقله رواة اشتهر عنهم الكذب في كتب خاصة ، وذكروا أنّهم لم يأخذوا بها ، ورغم ذلك جمعوها لئلّا تضيع ، فقد يصدق الكاذب أحياناً في حديثه ويكون هذا الذي رواه صادقاً فيه .
وقد يكون للأحايث المكذوبة أو المعلولة فوائد أخرى في غير الأحكام الشرعية ، كأن يستدلّ بها بعض الباحثين على شيوع فكرة معيّنة في وقت الراوي الذي رويت عنه ، أو على تأثّر هذا الراوي بثقافة خاصة ، أو على غير ذلك ، فليس الاستدلال بالأحاديث مقصوراً على استنباط الأحكام الشرعية منها ، ولذلك يرى بعض اللغويين أن يستشهد بنصوص الأحاديث الموضوعة في اللغة إذا علم أنّ تاريخ وضعها يرجع إلى العهد الذي يجوز الاستشهاد بكلام أهله ، لأنّها وإن كانت كذباً على الرسول في حكم شرعي ، فإنّها نصّ عربي .
إنّ الباب ليس مقفلًا أمام الباحث ، وله إن أراد التحرّي الدقيق أن يمحّص تلك
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 220
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٢٠