تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
ومن هذا يتّضح أنّ السياسة التي تقضي على كل رطب ويابس لم تكن ترى في اللغة شيئاً يحارب . وفي ظلّ هذه السماحة المطلقة تمكّنت اللغة العربية من الانتشار والتوسّع ، وانفسح أمامها الطريق وتعبّد ، وأصبحت لغة العلم والعلماء بين المسلمين من ساحل الأطلنطي إلى الشرق الأقصى . فهذا هو الفارابي وموطنه « ما وراء النهر » ولغته التركية ، ألّف كتبه الفلسفية بالعربية ، وعلي بن الطبري وهو من مازندران بطبرستان وضع بالعربية كتبه الطبية ؛ كفردوس الحكمة ، والرازي محمد بن زكريا من أهل الري قرب طهران ، كتب مؤلّفاته : الحاوي الصغير ، والحاوي الكبير ، ورسائله الطبية وغيرها باللغة العربية ، وأبو نصر سرّاج الطوسي وضع بالعربية كتاب اللمع في التصوّف ، والغزالي الطوسي ، وهو من خراسان ألّف كتبه المعتبرة بالعربية ، وأكثر من هذا أنّ عمر الخيام النيسابوري وضع كتبه العلمية في الرياضيات باللغة العربية ، وعلي بن عباس الأهوازي ألّف كتابه كامل الصناعة الطبية في الطب باللغة العربية ، مع أنّه قدّم كتابه هذا إلى عضد الدولة الديلمي من حكّام إيران . وللغة العربية عند علماء الشرق في البلاد الإسلامية نظير عند الغربيين في اللغة اللاتينية ، فهذا فرانسيس باكون العالم المعروف والفيلسوف الإنجليزي الشهير وضع كتبه باللاتينية ، وديكارت فرنسي الأصل ألّف بنفس اللغة ، والقدّيس توما داكن كتب كتبه باللاتينية ، بل أنّ بيرو الجرّاح الفرنسي حين وضع كتابه باللغة الفرنسية أثار اعتراض الخاصة وتهكّم العامة ، لأنّه تحوّل عن طريقة العلماء ولم يكتب كتابه باللاتينية التي ظلّت لغة العلم والعلماء في أوروبا إلى نهاية القرن السابع عشر . بقي أن نورد أهم الأسباب التي مكّنت للغة العربية ، وساعدت على جعلها اللغة العلمية في البلاد الإسلامية ، ذلك لأنّها كانت لغة الطبقة الحاكمة ، فوق أنّها لغة الدين ، وبها نزل القرآن الكريم حتّى أصبحت كلمة العربية مرادفة للإسلام ، كما نرى