تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
أذكر أنّ محدِّثاً تكلّم معي في جلسةٍ خاصةٍ وبحماس شديد في وجوب التخلّص من الإسرائيليات ، وضرب مثلًا لذلك خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وبعد أن فرغ من محاضرته الطويلة ، وظنّ أنّه أقنعني ، قلت : ولكن هذا في القرآن يا أخي ، وليس من الإسرائيليات في الحديث كما تعتقد . فبهت واستولى عليه الوجوم . ولا يحسب القارئ أنّي أريد الدفاع عمّا بين أيدينا من كتب الحديث ، وما أختلفنا أو اتّفقنا في تسميته صحاحاً ، وأزعم أنّها خلو من الإسرائيليات أو ممّا يخالف الحقّ ، أو أجزم بأنّ كل ما في الصحاح صحيح - أخذاً بكلمة صحيح فلان - كلا ، بل يحتمل - في رأيي - أنّ كثيراً من الدوافع لعبت دورها في خلق ما ليس بواقع ، وأنّ جبروت الحكم والسلطان جعل الرواة لا يظهرون كلّ ما عندهم ، وأنّ بعض ذوي الأهواء قالوا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مالم يقله . ومن ينكر ما للطغاة وحكّام السوء من أثرٍ على تراثٍ له القداسة بعد القرآن ؟ لست أنكر أنّ هناك دسّاً وخلقاً ، ولكنّني مع ذلك أعارض أشدّ المعارضة في أن نمسّ كتب الحديث ، ونستبيح لأنفسنا حقّ التصرّف فيما نراه نحن من دسّ الدسّاسين . كان لدى القدماء مقاييس وموازين للحكم على الأحاديث ، استعملوها فيما سجّلوه لنا ، وربّما كانوا على شيءٍ من حسن الظنّ ببعض الرواة ؛ لمكانتهم وحسن القبول عنهم لما خفي من أحوالهم . وكيفما كان الأمر ، فممّا لا شكّ فيه أنّ الذين جمعوا هذا التراث الضخم ، وكانوا أقرب منّا إلى زمن مصدر الأحاديث ، وأعرف منّا برجاله ، قد بذلوا غاية جهدهم وأرهقوا أنفسهم في التحرّي ، والتزموا الأمانة والدقّة ، ولا اعتراض عليهم ، وإنّما الكلام ينصبّ على أنّ ما جمعوه فيه إسرائيليات ، وفيه ما ينافي الدعوة والعقل أو العلم الحديث . وهذه نقطة استميح القارئ أن أقف عندما لأقول : إنّ هذا التراث تراث إسلامي خالد ، وملك للمسلمين عامةً ، لا لطائفةٍ دون طائفة ، وإنّه - بما له وعليه - مصدر