وهكذا تحوّلت الثقافة الإسلامية من عامة جامعة إلى مذهبية ضيّقة ، ومن قومية شائعة إلى طائفية محدودة ، وعكف كل عالم على مراجع مذهبه ، وأغضى عن ما في المذاهب الأخرى ، وتعصّب لما درس ، واستراب في كل ما جهل . وتأثّرت كل طائفة بعلمائها ، وتمسّكت بنهجهم ، ونفرت من كل من يخالفهم في الرأي ، بل ذهبت إلى الشكّ في عقائد الطوائف الأخرى .
وانتهز كثير من غير المسلمين هذه الظلمة ، وتسلّلوا إلى الصفوف ، وتسمّوا باسم المسلمين ، واستغلّوا جهل الطوائف بعضها ببعض ، يزعمون لكل طائفة أنّهم من الأخرى ، يقولون للشيعة : نحن من أهل السنّة ، ويقولون لهؤلاء : نحن من أولئك ، واستطاعوا في غفلة المسلمين وجهلهم أن يسيئوا إلى الإسلام قروناً عديدة .
كل هذا حصل بسبب التعصّب المذهبي الذي تريد جماعة التقريب القضاء عليه ، وبتأثير النزعات الشعوبية التي ترمي إلى تقسيم هذا التراث باعتبار العنصرية .
فلوا أنّنا فتحنا صدورنا من جديد ، واعتبرنا الثقافة الإسلامية مجموعة يكمل بعضها بعضاً ، وتفاهمنا فيما بيننا على هذا الأساس ، وأدركنا أنّ هذه الثقافة إسلامية ، بنيت على أن تكون للإسلام قبل كل شيء ، وليست ملكاً لفرد ولا لمذهب أو طائفة ، كما أنّها ما أوجدت لتكون عنصرية ؛ لجدّدنا بناء هذا القصر المنيف ، ولمحونا عن كلّ طائفة باطل الاتّهامات الموجّهة إليها ، ولأخرجنا من بيننا من ليسوا بمسلمين ؛ كأولئك الأدعياء الذين انتسبوا كذباً إلى الإسلام وهم معاول هدم في الكيان الإسلامي .
وفي رأيي أنّ ثقافة إسلامية موحّدة - إذا التفّ حولها المسلمون - كفيلة بتوحيد صفوفهم ، ولا يخفى ما تؤدي إليه الوحدة من عزٍّ ومجدٍ وسؤدد .
وما دامت هذه الثقافة موجودة ، فإنّ من الميسور بلوغ هذا الهدف ، وهو ما نعمل له ونسعى إلى تحقيقه ، واللَّه وليّ التوفيق .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 207
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٠٧