إذا كانت هذه قصة خيالية ، فهناك قصة من صميم الواقع ، عن قصر فخم لم تر عين الزمان مثله ، أُقيم على أساس متين ، وشيّد من حجر صلد بأيدي أمهر البناة المخلصين من الأبيض والأسود ، ساهم في إقامته رجال من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، من بلخ وبخارى وسمرقند وطوس وطبرستان والري والعراق والشام والحجاز ومصر والأندلس وما بينها ، وتعبت فيه عقولهم - إن صحّ هذا التعبير - واستعملت فيه لبنات نورانية بدل اللبنات الظلمانية المعروفة .
وإذا كانت مرضاة ذلك الشيخ هي الدافع إلى بناء ذلك البيت الصغير ، فإنّ الدافع إلى بناء هذا القصر المنيف ، هي مرضاة اللَّه في الدارين ، وإرضاء الضمير والإيمان والعقيدة ، بني باسم الإسلام ، وقدّمه بناته إلى الإسلام ، ليكون في خدمة الإسلام والمسلمين ، ولم يكن لحدائقه أسوار تمنع الناس من الدخول فيه ، ولا بين أقسامه حواجز تحجب عن الروّاد بعض نواحيه ، فتوجّهت إليه عقول الملايين ، وتعلّقت به قلوب مئات الملايين ، وعبق عطره في أركان العالم الإسلامي ، وفاح شذاه في أركان الكون كلّه ، وأطلّت عظمته على الشرق والغرب .
ذلك قصر الثقافة الإسلامية التي أراد اللَّه أن تكون أعظم مفخرةٍ للمسلمين ، وأعظم ثمرةٍ للإسلام ، تلك الثقافة التي لم يوح بها أحد ، وإنّما أوحى بها الشعور والإيمان والرغبة في أن يكون للإسلام ثقافة خاصة ينهل منها المسلمون ، واندفع لتحقيق ذلك بنّاؤون من كل شعب مسلم ، ومن كل طائفة إسلامية ، وتخلّوا جميعاً عن كل قومية ولغة ، إلّاقومية الإسلام ولغة القرآن ، فالبلخي نسي بلخيته ، والفارسي نسي فارسيته ، والبخاري نسي أنّه من بخارى ، والعربي نسي عروبته ، وجعلوا أنفسهم في خدمة الإسلام ولغة الإسلام ، وخلقوا ثقافة إسلامية ، استنبطوا قسماً كبيراً منها من الإسلام نفسه ، وأخذوا قسماً آخر من الثقافات اليونانية والفارسية والهندية ، التزموا فيه نهجاً لم يلتزمه البُناة قبلهم ، هو أن يصبغوه بصبغة الإسلام ، ويسخّروه في خدمة فكرة الإسلام ، ليكون ثقافة إسلامية قبل كل شيء ،
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 205
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٠٥