تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ووفقوا في هذا توفيقاً عجيباً ، حتّى أنّهم أخذوا الفلسفة اليونانية - التي كانت تثبّت العقائد الوثنية ، والتي استغلّتها الكنيسة فيما بعد لخدمة التثليث - وصبغوها بالصبغة الإسلامية ، وأثبتوا بها التوحيد والمعاد . . . ولست بصدد شرح هذا ، وسأفرد له بحثاً خاصاً . ولم ينشط في إقامة هذا القصر البنّاؤون فحسب ، بل نشط كذلك النجّارون والبستانيون ، واهتم كلٌّ بناحيته ، وتقدّم كل فنّ يشجّعه الإسلام ، من تفسير إلى أدب ، ومن طبّ إلى كيمياء ، ومن علوم إسلامية إلى نبوغ في الفقه بنوع خاص ، وهكذا أوجدوا كنزاً ثميناً ، يليق أن يسمّى بحقٍّ أغنى كنز في العلوم الإسلامية ، ازدهرت كل هذه العلوم دون أن يؤخذ عهد من القائمين عليها ، ودون أن تشرف على تنسيقها منظمة كاليونسكو ، ودون أن يمنع أحد من الدخول في أيّ بحث ، أو يحرم من الرجوع إلى أيّ مرجع ، أو الاغتراف من أيّ منهل . كانت ثقافة إسلامية ، تقدّم لكلّ المسلمين ، لا لشعب دون شعب ، ولا لطائفة دون طائفة ، وكان لكلّ عالم حقّ الدخول في كل بحث ، ومراجعة أيّ كتاب ، والأخذ بأيّ رأي ، ولا ينظر أحد إلى من يخالفه في الرأي إلّانظرة التقدير والأخوّة . فالخليفة يقدّم إلى الإمامي كرسي الدراسة ببغداد ، والسنّي يستمع إلى دروسه كثير من غير أهل السنّة ، ومرجع الفتوى إلى كل مذهب ، والباحث يقف على رأي كل مفكّر . كانت ثقافة عامة مشتركة ، تعلّق بها كل قطر لأنّه يساهم فيها ، وغار عليها كل صقع لأنّ له قسطاً منها ، وحفظ حرمتها وكرامتها كل مسلم ، واحترم رجالها ونظر إليهم كمجموعة يكمل بعضها بعضاً ولا تقبل التجزئة . لعلّك تتساءل : أين هذا القصر ؟ هل عدا عليه الدهر فخربه ، أم غصبه أحد الطغاة ودمّره ؟ كلّا : لا هذا ولا ذاك ، إنّما تنازع فيه ورثته ، وقسّموه فيما بينهم ، وأقاموا الحواجز بين أقسامه ، واستقلّ كل فريق بحصّته ، وامتنع الآخرون من الدخول إليها .