ممكن جداً إذا وجد في البلاد العربية مثلًا رجال يعرفون لغات الآخرين ، وعند الآخرين من يعرف العربية ويتحدّث بها ، وهذا ما كان في العصر الذهبي للإسلام ، شعوب لم يصطبغوا بالصبغة العربية ، واحتفظوا بلغتهم القومية ، إلّاأنّ رجالًا منهم - وهم علماؤهم عامة - كتبوا ودوّنوا العلوم بالعربية ، وخدموا اللغة العربية نفسها أيّة خدمة ، من دون أيّ تعصّب ، أو أقلّ تحيّز .
ألا وإنّ الترجمة ممّا لابد أن يهتم بها ، وكثيراً ما نترجم آثاراً من الغربيين بأنواعها ، فنجد فيها ما يفيد ولا ننكره ، ونجد فيها ما يفسد الأخلاق وينشر الخلاعة حيناً ، والإلحاد والمادية حيناً آخر ، ولا يشكّ مسلم في خطر هذا النوع على الدين والآداب الإسلامية .
وما دام عندنا هذا الاستعداد للترجمة ، وليس لدينا مانع من أن نعطى لفكرةٍ نشأت في بيئة مغايرة لبيئتنا ، وصيغت في جو تقاليد غير تقاليدنا الدينية والقومية ؛ صورة مناسبة أو أقلّ بعداً ، نقول : ما دام عندنا هذا الاستعداد أليس من الخير أن نوجّهه إلى الصحيح من الأدب الغربي ، وأفكار أهله ، وإلى الآثار الإسلامية بما في ذلك ترجمة الكتب والدواوين ، والحكم والقصص ، وأخبار التاريخ السائرة بين الشعوب الإسلامية ، وإنّ منها لكتباً لو كان أحدها هو الكتاب الوحيد في لغته ، ولم يكن سبيل لترجمته ، إلّابتعلّم اللغة ، لكان على الإنسان أن يتعلّم تلك اللغة ليعرف ذاك الكتاب ويلتذّ بما فيه !
إنّ في البلاد الإسلامية معادن وكنوزاً ، وإنّ للمسلمين رجالًا نابغين ، وعلماء أكفّاء عاملين ، وأدباء قديرين ، فهل يعرفهم العالم الإسلامي ؟ ! وهل يعرف عنهم عُشر ما يعرف عن بعض علماء المادة وكتّاب السوء ؟ ! وهل سمع عن آثارهم ؟ وهل عرف أنّ منهم مؤلّفين خلّفوا مجلّدات من الكتب ، يعدّ كل واحد منها مرجعاً من المراجع ، ودليلًا قائماً بذاته ، لفكرة ناضجة عند المسلمين ؟
إنّ للمسلمين جامعات علمية كبرى في مختلف البلدان ، وإنّ فيها لما يجتمع به
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 202
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٠٢