تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
أرى بأساً من أن أعيد ذكرها للقرّاء ، لأنّها تعبّر عمّا نحن فيه أصدق تعبير ، وتوحي بمعالجته من أقرب سبيل . كان أربعة من الفقراء جالسين في طريق ، وكلٌّ منهم من بلد : أحدهم رومي ، والثاني فارسي ، والثالث عربي ، والرابع تركي ، ومرّ عليهم محسن فأعطاهم قطعةً من النقد غير قابلة للتجزئة ، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم ، يريد كلٌّ منهم أن يحمل الآخرين على اتباع رأيه في التصرّف في هذا النقد ، أمّا الرومي فقال : نشتري به ( رستافيل ) ، وأمّا الفارسي فقال : أنا لا أرى من ( أنگور ) بديلًا ، وقال العربي : لا واللَّه لا نشتري به إلّا ( عنباً ) ، وقال التركي متشدّداً في لهجة صارمة : إنّ الشيء الوحيد الذي أرضى به هو ( أوزوم ) ، أمّا ما سواه فإنّي لا أوافق عليه أبداً ، وجرّ الكلام بين الأربعة إلى الخصام ، وكاد يستفحل الأمر لولا أن مرّ عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعاً ، وتدخّل للحكم بينهم ، فبعد أن سمع كلامهم جميعاً ، وشاهد ما أبداه كلٌّ منهم من تشدّدٍ في موقفه ، أخذ منهم النقد واشترى به شيئاً ، وما إن عرضه عليهم حتّى رأى كلٌّ منهم فيه طلبته ، قال الرومي : هذا هو ( رستافيل ) الذي طلبته ، وقال الفارسي : هذا هو ( الأنگور ) ، وقال العربي : الحمد للَّه‌الذي آتاني ما طلبت ! وقال التركي : هذا هو ( أوزوم ) الذي طلبته ، وقد ظهر أنّ كلّاً منهم كان يطلب « العنب » من غير أن يعرف كلّ واحد منهم أنّه هو بعينه ما يطلبه أصحابه . لسنا في هذا المقام بصدد بيان ما دار في هذه الجلسة أو في الجلسات الأخرى الممتعة التي كنت اجتمع فيها بفضيلة الإمام المراغي ، ولسنا أيضاً بصدد بيان ما وصلنا إليه في نفس تلك الجلسة من إقرار تدريس بعض اللغات الإسلامية كوسيلة للتفاهم بين البلاد الإسلامية المختلفة ، كما أنّنا لسنا بصدد أن نقول : هل واصلنا السير إلى الأمام منذ ذلك الوقت أو رجعنا القهقرى ، ومهما يكن من شيء فإنّ أمامنا في اللجنة الثقافية لجماعة التقريب مشروعاً يرمي إلى توحيد المسلمين ثقافياً ، أو إن شئت فقل : توحيد الثقافة الإسلامية بين المسلمين : فكرة ضخمة ، ومشروع