تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
إنّ هؤلاء لم يعرفوا قدر أنفسهم ، ولم يدركوا أنّ اللَّه حين وهبهم الوجود ، وهيّأهم لخوض غمرات الحياة بأسلحة من العقل المفكّر ، والجسم المجهّز بكل ما يصلحه ، قد خلقهم ليعملوا ، كلٌّ على شاكلته ، وكلٌّ بنصيبه وجهده ، كي يحقّقوا خلافة الإنسان في الأرض ، فيعمروها ويستكشفوها ، ويعرفوا اللَّه الذي خلق ورزق ووهب ، وأمات وأحيا ، وأغنى وأقنى ، فيعبدوه ويمتثلوا أمره ، ويكونوا رحمةً مهداةً إلى إخوانهم الأقربين والأبعدين . إنّ هؤلاء لم يدركوا قيمة ابن آدم كما ينبغي لها أن تدرك . إنّ ابن آدم لا ينبغي أن يكون نسخةً واحدةً متكرّرةً في الشرق والغرب ، والشمال والجنوب ، وفي القرن الأوّل والقرن الأخير ، وفيما بينهما ، بل يجب على كل إنسان أن يحاول بجدٍّ وصدقٍ أن يكون له وجود كريم . وما وجوده الكريم إلّابأنّ يكون له « وحديّة » أو امتياز ، وتفرّد في ناحية ما ، حتّى يكون - ما عاش - محتاجاً إليه من الناس احتياجاً خاصاً ، منظوراً إليه نظراً خاصاً ، وحتّى يحسّ المجتمع إذا ذهب أنّه فقد شيئاً كان له كيان ، وكان له وجود . وكما يقال هذا في الأفراد ؛ يقال في الجماعات والشعوب والأمم . فلكلّ جماعة هدف ، ولكلّ شعب طابع وغاية ، ولكلّ أمة رسالة . فإذا تكرّرت النسخ رخصت القيم ، وخفّت الأوزان ، وهان وجود الهيئات والشعوب والأمم . ونحن هنا في التقريب لنا وجود خاص ورسالة خاصة والحمد للَّه‌ربّ العالمين . إنّنا نعلم قيمة أنفسنا ، وأهمية دعوتنا ، نعلم ذلك في غير غرور ولا خيلاء ، ونعرف أنّ المسلمين أمة واحدة ، إلهها واحد ، ورسولها واحد ، وكتابها واحد ، وأصولها واحدة . وأنّه لم يعد يصلح أمرهم على اختزان الحزازات ، واجترار العداوات ، ولم يعد العالم يطيق خلافاً يتيح للأخ أن يقطع أخاه وقد ربط اللَّه يينهما برباط الإيمان ، وأنّ ما كان يجد رحابةً في الصدور ، وتقبّلًا من العقول بالأمس