رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى »
« 1 »
.
بل دعاه الغرور بنفسه إلى ما هو أبعد من ادّعاه الألوهية ، حيث أراد أن يصل إلى إله موسى ليحاربه فقال :
« يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ »
« 2 »
.
إلى هذا الحدّ يفعل الغرور بالنفس !
وإذا كانت هذه المثل قد وردت في كتاب اللَّه الذي يتلى على الناس بكرةً وعشياً ، فإنّ هناك مثلًا كثيرة تفيض بها صفحات التاريخ في هذا الكون .
فكم من ملك طغى ، وذي سلطان اغترّ بنفسه ، فأساء تقدير أمره ، فأفلت منه الزمام ، وانحسر عنه ظلّ الأمان ، وجانبته رحمة اللَّه ، فصار من المهلكين .
هذا معنى يفهم به الحديث الشريف كثير من الناس .
وهو فهم صحيح مقبول ، ولكنّه ليس هو المعنى الوحيد الذي يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث ، فنحن نستطيع أن نفهم من هذا التوجيه النبوي الحكيم معنىً آخر .
ذلك أنّ الإنسان عليه أن يدرك قيمة نفسه ، وأن يعلم أنّه مخلوق له رسالة يجب عليه أن يحتمل أعباءها ويقوم بحقّها ، فإنّ كثيراً من الناس ربّما هربوا من معنى الغرور بالنفس إلى معنى احتقار النفس ، والاستهانة بها ، والشعور بأنّهم ليسوا شيئاً مذكوراً ، فنراهم ينزوون عن كل عمل صالح ، ولايشاركون الناس في أمرٍ من أمورهم ، شعوراً منهم بالنقص في أنفسهم ، والقصور عن ملابسة كرائم الأعمال ، وبذل كرائم الجهود ، فيعيش الواحد منهم ما عاش كمّاً مهملًا ، لايحسّ بنفسه ولا يحس به أحد ، يعيش عالةً على غيره ، يحمله مجتمعه الخاص ومجتمعه العام كما تُحمل الأنفال التي تنوء بها الكواهل دون أن يكون لها نفع ، أو يرجى منها خير .
هامش
( 1 ) . النازعات : 20 - 25
( 2 ) . غافر : 36 و 37