ونحن حينما نتكلّم عن الطوائف ، إنّما نعني تلك التي تتّفق في الأصول من أهل السنّة والشيعة ، ولا دخل لنا بالطوائف التي لا وجود لها إلّافي كتب الملل والنحل ، أو التي تختلف في الأصول ، فأتباعها في نظرنا ليسوا بمسلمين ، وإذا كان هناك غلاة فنحن أول من نحكم بكفرهم .
إنّ إله المسلمين واحد ، ونبيّهم ( ص ) واحد ، وكتابهم - وللَّه الحمد - لا يختلف على حرف منه مسلم شيعي ولو في أقصى الصين ، مع مسلم سنّي ولو في أقصى المغرب ، وهم جميعاً يتّجهون في صلواتهم إلى قبلة واحدة ، ويحجّون إلى بيت واحد ، ويؤتون الزكاة ، ويؤمنون بالغيب والملائكة والنبيّين واليوم الآخر ، وغير ذلك من العقائد التي لسنا بصدد حصرها ، ورغم ذلك كلّه فإنّ التباعد بينهم - وهم أبناء الدين الواحد ، وأصحاب العقيدة الواحدة - يزيد أحياناً على التباعد بين أبناء دينين مختلفين ، بل يزيد على التباعد بين المؤمنين والملاحدة في بعض الأحيان !
إنّها لمأساة عجيبة أن يعيش 400 مليون من المسلمين في قطيعة وتدابر وهم أبناء ملّة واحدة ، وسكّان بقاع من الأرض متجاورة ! إنّها لمأساة عجيبة حقّاً تدعو كل غيور إلى التفكير الجدّي ، وتدفع كلّ قادر إلى السعي الحثيث والعمل الدائب لتخليص هذه الأمة المسلمة من التقاطع والتدابر ، ومن الذلّ والهوان .
من هنا جاءت فكرة التقريب ، وظهرت جماعة التقريب ، لا لتوحّد المذاهب ، ولا لتصرف أيّ مسلم عن مذهبه ، ولا لتحجر على التفكير ، وإنّما جاءت لتذكّر المسلمين جميعاً بالنقط الوفاقية عندهم ، وهي كثيرة ، وهي الأصول لحسن الحظ ، ولتوجد التعارف بين الطوائف باطلاع كل طائفة على ما عند سواها ، فإن رأت الحقّ بجانب أختها احترمته ، وإن لم تقتنع بما ثبت عند سواها عذرتها فيه .
وكانت هذه الجماعة واقعية ، لا تتجاهل الخلافات ، ولا تتغافل عمّا يصعب علاجه ، ولا تخشى مواجهة الحقائق ، ولا تجامل طائفة على حساب أخرى ، فهذا سبيل من لا يثق بنفسه أو من يشكّ في صحة دعوته ، ولسنا كذلك وللَّه الحمد .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 190
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٩٠