وأخطر من ذلك كله أنّ نفراً من المؤلّفين المسلمين يعتمدون في بحوثهم على أقوال المستشرقين كأصول مسلّمة ، نظراً لحسن ظنّهم بهؤلاء ، وفي هذا من السذاجة والبساطة ما يضحك نفس المستشرقين .
إنّ دعاة الاستشراق الذين يتظاهرون بالتعصّب للشيعة تارةً ، وللسنّة أخرى ، هم في الغالب من أشدّ الناس تعصّباً لدياناتهم ، وهم في الحقيقة أحرص الناس على تحطيم المسلمين كمجتمع ، والقضاء على الإسلام كفكرة ، ومحو العقيدة الإسلامية من الوجود .
أذكر أنّنا حين كنّا نحاول إقناع أصحاب دار نشر ليصرفوا النظر عن طبع كتاب قديم ، فيه من الخرافات ما يضحك غيرنا علينا ، وفيه من السخافات ما يثير سخرية شبابنا نحن بعد أن تفتّحت عقولهم بالثقافة ، وفيه من تجريح العواطف ما كانت تمليه سياسة الحكّام في عهد المؤلّف ، إذا مستشرق يهاجمنا في مجلّةٍ فرنسية ، ويجزم أنّ هذا النوع من الكتب ضروري لفهم عقلية المسلمين قبل قرون ، ومعنى هذا أنّ الكتاب سند ، وأيّ سند يخدم أغراضهم ، ويساعد على تحقيق مآربهم !
فماذا علينا نحن المسلمين ؟
أليس علينا أن نعني بدراساتنا عنايةً تغنينا عن هؤلاء المصحّحين للألفاظ ، الذين لا همّ لهم إلّانبش الماضي ، وبعث ما يثير الأحقاد بين المسلمين ، كي تتفرّق كلمتهم ، وتتفتّت وحدتهم ؟
أليس علينا أن ندفن إلى الأبد كل ما يظهرنا بمظهر المنحرفين المتفرّقين ؟
أليس من واجبنا أن نثبت أنّ أهل البيت أدرى بما فيه ، وأن نتعب أنفسنا ونظهر حقائق خلافاتنا التي نعتزّ بها كأصحاب فكرةٍ حرّةٍ سليمة ؟
أليس من واجبنا أن نخرج كنوزنا ، ونبرز ما في التراث الإسلامي من روعةٍ وجلال ؟
إنّنا بين أحد أمرين : إمّا أن ندخل الميدان بكل قوتنا فننجو من أحابيل دعاة الفرقة ، وإمّا أن نتخاذل ونتواكل فيجهز علينا أعداء الإسلام .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 188
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٨٨