الكلام ، فإنّها حول معارف إسلامية تبلور كثيراً من الحقائق وتصقل العقول والأفهام ، وتحدث باحتكاكها وميضاً يكشف سبل البحث وطرائق الاستدلال .
تلك هي خلافات المسلمين ، وهي في باطنها تشير إلى الوحدة لا إلى الفرقة ، وتنبئ عن الاجتماع لا عن التشتّت . وما دام الحقّ هو المبتغى فالوصول إليه ليس بعسير إذا نظر كلّ فريق نظرةً هادئةً إلى ما عند سواه ، فإن اقتنع بوجهة نظره فبها ونعمت ، وإلّا عذره فيما ثبت عنده واحترم رأيه فيه .
ومثل هذا المسلك الطبيعي يحقّق للأمة الخير ، ويقابل بكل تقدير ، وأكبر دليل على ذلك : ما قوبل به كتاب فقه الإمامية الذي طبع في مصر أخيراً ، فقد قوبل بترحيب حارّ ، رغم أنّه كتاب مذهب لم يكن معروفاً عند الكثيرين ، ورغم أنّ فيه خلافات في بعض مسائل فقهية اقتضتها طبيعة الفقه وطبيعة الاستنباط ، والترحيب بهذا الكتاب يدلّ على أنّ المسلمين بطبيعتهم يحسنون التقدير .
أمّا الخلاف الذي لا نرحّب به ولا نقبله ، بل نرفضه ونقاومه ، فهو الخلاف الذي تمليه الكراهية والبغضاء ، وتغذّيه الشبه والأوهام ، ويوجد البلبلة في صفوف الأمة ، ويؤدّي إلى تفريق كلمة المسلمين .
ذلك خلاف لا يتّفق والخلق الإسلامي ، ولا يستند إلى المعارف الإسلامية ، حمل لواءه مؤلّفون كتبوا قبل التثبّت تارةً ، وبداعى الغرض والهوى تارات ، فسوّدوا صحيفة الشيعة في نظر أهل السنّة ، وسوّدوا صحيفة أهل السنّة في نظر المتشيّعين ، بعضهم خلط بين أهل السنّة والنواصب ، وأكثرهم خلطوا بين الشيعة والغلاة ، وبينها وبين الفرق البائدة ، وألصقوا بها آراء لا تمت إليها بصلة ، بل الشيعة منها براء .
وكم من كتب وضعت لتأجيج الخصومة بين طوائف المسلمين ، وكم من أقلام أسفت في التجريح خدمةً لحكّام طغاة أقاموا عروشهم على أساس الخصومة بين المسلمين .
وكان لهذه التآليف أسوأ الأثر في تصدّع وحدة الأمة ، فقد غرست البغضاء في القلوب ، والظنّة في العقول ، وأبعدت طائفةً كبيرةً عن إخوانهم في الدين .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 185
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٨٥