ثم جاء التقريب ، فلم يدع إلى توحيد المذاهب ، ولم يقصد إلى إلغاء الخلاف ، وإنّما نبّه الوعي ، وأوضح بأدقّ بيان وأوفاه أنّ الهجوم والتشنيع وجرح العواطف لا تخدم أيّ مذهب ، وأنّ الإسفاف في السبّ والشتم لا يفيد أيّ طائفة ، بل على العكس يجلب الضرّ لكل فريق .
وتأثّر بدعوتنا كثير من حملة الأقلام ، فجنحوا إلى سلوك سبيل المنطق والبرهان ، وأسرع هذا الأثر أكثر ممّا كنا ننتظر ، إلّاأنّ بعض الأقلام لا تزال تسفّ ، ولكنّها - والحمد للَّه - ليست بذات وزن ، وعمّا قليل ينتهي أمرها إلى زوال .
وإذا كان المتزمّتون هنا ، والجامدون هناك حاولوا عرقلتنا ، وبذلوا جهدهم ليعوقوا سيرنا ، فقد نجحنا في إسكات أكثرهم ، وكان أسلامهم أكبر عون لنا عليهم ؛ لأنّ العواطف الدينية تصدّ المسلم عن خدمة أغراض أعداء الإسلام .
وليت الأمر يقف عند المتزمّتين والجامدين من المسلمين ، بل أنّ هناك من أقحموا أنفسهم في الدراسات الإسلامية وهم ليسوا بمسلمين ، أولئك هم المستشرقون . لقد ألّف بعضهم في التاريخ الإسلامي وعلم الكلام ! وكتب بعضهم في الطائفية في الإسلام ! وأضفوا على بحوثهم - تحت اسم الاستشراق - مظهراً علمياً يجعل المسلم يكاد لا يشكّ فيما يكتبون .
ونحن وإن كنّا نعترف بأنّهم خدموا بعض العلوم الشرقية ، إلّاأنّنا نتّهمهم في ناحية البحوث الإسلامية ، فليس فيهم من لم يبثّ السموم في بحوثه ، وليس فيهم من لم يكن وراء ما يكتب أغراض تسيء إلى المسلمين تارةً ، وإلى سمعة الإسلام تارةً ، وتؤجّج الخصومة بين أبناء هذا الدين .
إنّهم يحمّلون الإسلام وزر كل التصرّفات السيئة التي ارتكبها الظالمون ، ويخلقون أبطالًا خياليين كعبد اللَّه بن سبأ وأمثاله ، ويصوّرونهم على أنّهم أصحاب كل حول وطول في تاريخ الإسلام . ويناصرون بكل قوتهم أيّ عمل يفرق كلمة المسلمين . وأكبر دليل على ذلك موقفهم من النحل الجديدة التي ظهرت منذ قرن ،
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 186
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٨٦