تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
لسنا نرى ما يراه الفريق الأوّل ، ولسنا ننكر الخلاف ، ولسنا نرى للخلافات آثاراً تستحيل معها مهمة التقريب . لا ننكر أنّ الخلاف وقع بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو زعمنا أنّ الأوائل لم يكن بينهم أيّ خلاف لجانبنا الحقّ ، ومن له أقلّ إلمام بالتاريخ لا يمكنه أن يزعم ذلك . بيد أنّهم حصروا الخلاف في دائرته المعقولة ، ولم يجعلوا له أثراً يضرّ بالوحدة الإسلامية ، ولا أعطوا به فرصةً لأعداء الإسلام . كان خلافاً في الرأي لا تشاجراً ، والخلاف في الرأي من طبيعة الإنسان ، وتحتّمه البيئات وتطوّر الزمن ، وليس لأيّة قوة أن تمنعه ، ولا ضرر منه بوصفه خلافاً ، إنّما الضرر في أن يتطوّر إلى تشاتم وتخاصم . ولنأخذ دليل ذلك من التاريخ ، تاريخ الإسلام نفسه ، في قصة حدوث الخلاف بين السنّة والشيعة بالذات . إنّ اختلاف الرأي لم يخلق بين المسلمين معركة الخصام ، حتّى إذا استباح بعضهم الإسفاف والمسبّة ظهرت المقاومة العنيفة ، واضطرب الأمر ، ولم يستقرّ بعد ذلك بل انتهى إلى خصومة مريرة ، فقامت الحروب ، واشتدّت المعارك بين أبناء دين واحد ، وسلّت على المسلمين الآمنين سيوف كان أولى بها أن تسلّ على الأعداء . ليست جماعة التقريب تريد القضاء على كلّ خلاف ، ولاتفكّر في ذلك ولا تبتغي أن يتشيّع السنّي ، أو يتسنّن الشيعي ، حتّى توصف رسالتها بأنّها مستحيلة ، إنّها مع النظر إلى الخلافات تسعى للتقريب ، وتنادي بلزوم التعارف . نعم ، إنّ الجماعة ترى أنّ كثيراً من الخلافات تحلّ في ظلّ التعارف ، إمّا لأنّها نشأت عن اعتقاد إحدى الطائفتين خطأً أنّ الأخرى تعتقد أموراً يتّضح بعد التعارف خطأ نسبتها إليها ، أو لأنّها جاءت نتيجة دليل معقول أو أصل مقبول ، فتقبلها الأولى ، أو لأنّها تستند إلى أساس وأدلّة إن لم تكن مقبولة عند الأولى ، فقد ثبت عندها اعتبارها ، وعندئذ تلتمس عذراً لمن يعمل بها . فإذا أضفنا إلى هذا أنّ الطوائف المشتركة في الجماعة متّفقة على الأصول التي