تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
ضاق تفكيره وانحصرت ثروته الفكرية والدينية في محيط مذهب خاصّ ، لا ينظر في غيره ، أو تأثّر بعالمٍ أو كاتبٍ لا يستمع أو يقرأ لسواه ، وما دام لا يرى الحقّ إلّاما هو عليه ، فهو يعرض عن كلّ المذاهب ، بل يهاجمها إن اختلفت مع ما حصّله أدنى اختلاف . وليس بغريب على أمثال هؤلاء أن يؤمنوا باستحالة التقريب ، حتّى لو علموا أنّ التقريب لا يطلب إليهم أن يعتنقوا مذهب غيرهم ، أو يتنازلوا عمّا ثبت عندهم ، لأنّ المحذور لا ينحصر في ذلك فقط ، بل المحذور عندهم التقرّب إلى غيرهم ، والنظر فيما عندهم ، والاطّلاع على كتبهم وأقوالهم ، وهل رسالة التقريب إلّاالدعوة إلى هذا ليحصل التعارف بين الطوائف ، وتقف كلّ طائفة على ما عند الأخرى ؟ وما فائدة تعارف - هم في غنىً عنه - مع من هم عن الطريق مبعدون ، وعن الحقّ معرضون ؟ وأمّا الفريق الثاني ، فهم الذين لايختلطون بالحياة الدينية ، ولا يعرفون حقيقة أحوال البلاد الإسلامية ، ويظنّون أنّ الفكرة التي تسيطر عليهم هي نفسها التي تسيطر على غيرهم ، ولا يسمعون من هذا وذاك ، ويحسبون أنّه لم يبق ثمّة خلاف ، أو يغفلون دور الدين في الحياة ، وبالتالي خلافاتنا المذهبية ، ورجال السياسة والاقتصاد - مع الأسف - أكثرهم من هذا الفريق . وفي الناس فريق ثالث يتمسّك بمذهبه ويتشبّث به ، ولكنّه يحترم المذاهب التي تتّفق في الأصول معه ، بل ينظر فيها بروح الإنصاف ، ويتعمّق في تفهّمها ، ويقتبس منها ما يصحّ ، ولا مانع من أن يردّ على بعض ما يرد فيها في أدبٍ واتّزان ، رغبةً في إظهار ما هو أفضل ، لا حرصاً على تسفيه آراء الغير . ومن هذا الفريق تكوّنت جماعة التقريب في القاهرة وأنصار فكرتها في العالم الإسلامي ، وعلى هذه الأُسس تقوم ، وبهذه الروح تسير في الناس ، وكلّما فُهمت الفكرة ازداد الالتفاف حولها ، والدعوة إليها ، حتّى أنّنا لنعتقد أنّه سيأتي يوم تشمل كافة المسلمين . * * *