وسط أوهامهم وظنونهم ، ويتناسون أنّهم في عصر أبرز مظاهره سرعة المواصلات واتّصال أجزاء العالم بعضها ببعض ، ويتجاهلون أنّ البشرية لم تعد تكتفي بالتعرّف على ما في كرتنا الأرضية ، بل إنّها تتطلّع إلى اكتشاف ما في الأقمار والنجوم .
فهل يصحّ في مثل هذا العصر أن يقف جامد في وجه التطوّر ، ويأخذ علمه عن الطوائف من قصص أشبه ما تكون بالأوهام والخرافات ؟
إنّ المتزمّتين - ومن حسن الحظ أنّهم قلّة في كلّ شعب - من دأبهم أن ينفروا ممّا لم يألفوا ، وأن يقفوا في وجه مالم يعرفوا ، وأن يحتفظوا بقديمهم لأنّه تغلغل في نفوسهم ، فهم لا يرضون به بديلًا ، ولا يطيقون له تحويلًا ، كما أنّ من دأبهم أن يتلمّسوا الأوهام في المعارضة إذا لم تسعفهم الحقائق .
أليسوا يصرّون إصراراً عجيباً على أنّ التقريب محاولة لإدماج مذهب في مذهب ، أو تغليب مذهب على مذهب ، على الرغم من أنّ كلّ صوت من أصوات التقريب ، وكلّ نشاط يصدر عن التقريب ينادي بغير ذلك ؟
إنّ التقريب لأسمى من هذا وأجلّ شأناً ، إنّه - على العكس ممّا يتخيّلون أو يريدون أن يخيّلوا للناس - ينادي بوجوب أن تبقى المذاهب ، وأن يحتفظ المسلمون بها ، فهي ثروة علمية وفكرية وفقهية ، لا مصلحة في إهمالها ولا في إدماجها ، لكن شتّان بين هذا وبين إيجاد جوّ من الهدوء والثقة والصفاء بين المسلمين ، يرتفعون به عن الضغائن والجدل العقيم ، ويتفرّغون بسببه إلى ما هو أولى بهم من مشاركة الركب العالمي ، بل من قيادة هذا الركب وتوجيهه لو استطاعوا .
ذلك ما يريده التقريب ، وأنّ القافلة تسير ، تسير مع ركب الحضارة والعلم الصحيح ، تسير مع التطوّر إلى الحقّ ونحو الحقّ ، إنّها في الواقع تسير إلى اللَّه ، وإنّ اللَّه معنا
« قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
« 1 »
هامش
( 1 ) يوسف : 108