وهرم ، أي ضعف ووهن ؛ قلنا : إنّ تطوّر الأمم يكون في المعنويات لا في الماديات ، لأنّ ما يربط الأفراد بعضهم إلى بعض بحيث يكوّنون أمةً ، إنّما هي روابط معنوية .
فما يقال إذاً من أنّ للأمم شباب وشيخوخة غير صحيح ، لأنّ المعنويات لا تضعف في الإنسان إذا تنفّس به العمر ، بل أنّها تبلغ أقصى درجات الرقي في الفرد حين يشيخ ، إلّاأنّ العوائق قد تعترض الأمم فتحوّلها عن السير في طريق الكمال ، وتنحرف بها إلى السير نحو الانحلال ، وهذه حركة قسرية تكره فيها الأمم على غير طبيعتها .
والأمة الإسلامية سارت في طريق التطوّر سيراً طبيعياً ، فامتصّت الثقافات القديمة التي أوشكت أن تزول ، وحملت علم الحضارة ، وقدّمت للعالم زاد العلم والمعرفة ، وغزت بمبادئها الإمبراطوريات القديمة ، ورفعت علم التوحيد في البلاد الوثنية والثنائية ، وأوجدت للإسلام عصراً ذهبياً كانت السماحة أكبر عون على ازدهاره ، ولا ندري إلى أيّ درجة من الرقي كانت تصل بالبشرية لو تركت في طريقها تسير .
لكنّها ابتليت بأدواء وعوائق لم تعطّلها عن السير فحسب ، بل حوّلتها عن مجرى التطوّر ، ودفعت بها إلى طريق الضعف والتفكّك . وحين فقدت كثيراً من مقوّماتها الشخصية ، لم تقو على صدّ أهواء حكّامها ، فحطّموا وحدتها ، وفرّقوا كلمتها ، ثم جاء الاستعمار فزادها فرقةً ، وعجّل بها إلى الانحلال ، فأصبحت هزيلة ضعيفة يجتاحها التعصّب الأعمى بعد أن كان يسيطر عليها التفكير الحرّ السليم ، وأصبحت بمرور الزمن تقدّس الآراء وتعتبرها من المعتقدات ، وويل لأمة تتحوّل فيها الآراء إلى معتقدات .
وهكذا توقّفت الأمة عن السير في طريق الكمال ، وغشيها سبات عميق ، وتركت معاول الهدم تعمل عملها في بنائها الشامخ ، رغم أنّ دينها هو بطبيعته دين الكمال ، جاء ليأخذ بيد الإنسانية نحو الوحدة والقوة والخير للبشر أجمعين .
وعوامل الهدم في الأمم كمثل المخدّر لا يمكن أن يدوم مفعوله ، ولابد من
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 174
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٧٤