وقد وقع ما كان يخشاه ، فإنّ المتعصّبين ما إن سمعوا بتكوين الجماعة حتّى هاجوا وماجوا ، وشوّهوا الفكرة عند المسؤولين ، وأدخلوا في روع السلطات كثيراً من الظنون والأوهام ، وهنا يقف مصطفى عبد الرازق حين استفحل الأمر ، يقف أمام المسؤولين مدافعاً عن سلامة الفكرة ، وسلامة العاملين لها ، وقيمهم وشخصياتهم ، ومراكزهم في مصر وفي البلاد الأخرى ، ولولا هذا الموقف الصريح من هذا الرجل المؤمن الصادق لقضي على الفكرة في بدء مرحلة التكوين .
كذلك كان له رحمه الله فضل اختيار بعض الأعضاء من علماء الأزهر ، وذكر بعض النقط في القانون الأساسي للجماعة . ووقف معنا يومئذٍ داخل الجماعة شيخنا الإمام عبد المجيد سليم بجهده وجهاده ، وعلمه وإيمانه .
وبعد مدة وجيزة ذهب الشيخ مصطفى عبد الرازق إلى ربه ، وكأنّما كان عليه رسالة أدّاها ومضى .
وظنّ بعض المتعصّبين المتربّصين أنّ وفاة الشيخ مصطفى عبد الرازق فرصة للهجوم ، لكن أعضاء الجماعة ، وفي مقدّمتهم عبد المجيد سليم ، صمدوا للهجوم وصدّوه ، ومن ذلك الحين لازم عبد المجيد سليم التقريب ورسالته ، فلمّا اختير بعد سنوات شيخاً للأزهر ، احتفظ بعضويته في الجماعة ، وكثيراً ما كان يوقّع خطاباته بصفته « شيخ الأزهر » و « وكيل جماعة التقريب » . وفي عهده فتحت صفحة جديدة في علاقات السنّة والشيعة ، فهو الذي افتتح الكتابة إلى علماء الشيعة ، وتلقّى ردودهم ، وهو الذي بدأ تحويل الأزهر إلى جامعة إسلامية عامة بدل كونها قاصرة على المذاهب الأربعة الخاصة ، ليحقّق الوارد في القانون الأساسي لجماعة التقريب بالنسبة للجامعات الإسلامية ، وهو الذي أدخل - لأول مرة - في قانون الأحوال الشخصية المصرية بعض ما كان يرجّح في نظره من فقه الإمامية ، وهو الذي اقترح على دار التقريب طبع تفسير مجمع البيان .
ثم ترك رحمه الله مشيخة الأزهر ولم يترك جماعة التقريب ولا دارها حتّى فارق
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 167
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٦٧