قبلتهم واحدة ، صلواتهم المفروضة واحدة ، لا اختلاف في عددها ، ولا في الركعات والسجدات ، ولا في وجوب قراءة الحمد فيها ، وحجّهم واحد ، وصومهم واحد . . .
إلى غير ذلك .
بعد ما يقرب من أربعة عشر قرن من الخلافات ، كان لأول مرة في التاريخ الإسلامي اجتمع عدد من المصلحين من مختلف المذاهب الإسلامية خصّيصاً لمعالجة هذا الداء الوبيل : التفرّق الطائفي لا على أساس تغليب مذهب على مذهب ، أو حذف المذهبية أو دمجها في بعض ، بل على أساس أنّ الرأي ما دام على أساسٍ عن الفهم والمنطق لابد أن يُحترم ، ولابد للدليل أن يتّبع من أيّ أفقٍ طلع .
نعم ، كانت هناك محاولات ودعوات لهذا الغرض طوال التاريخ ، إلّاأنّها كانت دعوات فردية ، ولسببٍ ما قضي عليها أو ماتت بموت أصحابها ، ولكن دعوة التقريب جاءت على أكتف جماعة وقفوا كالبنيان المرصوص صفّاً واحداً ، أقوياء بإيمانهم وشخصياتهم البارزة ، متضامنين ، وإذا مات منهم واحد قام واحد . فُوجدت كدعوة جماعية . وإذا كان لي ما يذكر في هذا الميدان فهو أنّني اخترت مصر بالذات كمركز لهذه الدعوة ، لما فيها الأزهر الشريف ، ورأيت بأنّ خير من يحمل هذه الرسالة هم علماء هذا الأزهر .
واليوم أرى من الواجب عليَّ أمام اللَّه والتاريخ أن أسجّل دور الأزهر برجاله المصلحين البارزين ، هؤلاء الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه ، كما أنّ كلّاً من واجب الوفاء وتقدير الجهاد يحتّم عليّ أن أُبرز دورهم ، وأعطيهم حقّهم ، مع الاعتراف بأنّه لا يسعني أن أشرح في هذه الكلمة إلّاقدراً يسيراً ممّا يستحقّوه ، مستبشراً بأنّ آثار أعمالهم سوف تتكلّم عنهم إلى الأبد .
وإنّني إذ أتكلّم عنهم أتكلّم في الحقيقة في دور الأزهر الشريف في مقاومته للتفرقة المذهبية التي هي دائماً كانت السلاح الفعّال بأيدي المستعمرين الذين كانوا يحسنون استعماله في أيّ وقت يناسبهم .
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة — صفحة 156
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٥٦