فما أحقّهما لآن بالشفقة أن قد أغضبا هذه التي يغضب لغضبها اللَّه ، ولم يشفع عندها لهما ما أبديا من ندم ، وساقا من معاذير .
لهما اللَّه !
* * * وخطت أولى خطواتها على طريق الرحيل .
بسكينة المؤمن بقدر اللَّه ، المتطلّع إلى قضائه ، هتفت بالمرأة ، اللائدة بها كظلّها بصوت خفيض :
« يا أمه ! » .
فانسلّت إليها من جانب الفراش ، رفيقتها تلك القائمة على خدمتها ، الساهرة على راحتها ، لتكون منه عند طرف البنان ، رهن الإشارة الصامتة ، والنظرة المؤمنة ، والهمسة الوانية كنفحة النسيم الوسنان .
تلكم الرفيقة الحانية : سلمى « 1 » زوج أبي رافع مولى رسول اللَّه ، انسابت في هدوء وخفّة إلى الزهراء بخطىً خرساء ، بدت كأنّما تسبح إليها ، في جوّ الحجرة الصغيرة ، على ريشة عصفور !
كانت تمشي كمشية المسيح على الماء !
فلقد خشيت أن يؤذي الضاوية الغالية وقع الأقدام . . . بل حفيف الثياب ! بل تردّد الأنفاس !
* * * ولم يكن بفاطمة من سقم عضوي ممّا عرف أهل زمانها من أسقام فلا عرض لمرض . . . لا أثر لعلّة تنطق بها الملامح أو الجوارح ، وما بها من وعكة ، إن هو إلَّا صدى أوصاب نفسية هي حصيلة ما عانت من ضغوط الهموم والغموم .
هامش
( 1 ) . وقيل : أسماء بنت عميس . ( المؤلّف )