تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 703

مساهمون:

ص٧٠٣
ويبس العود ، شحبت الخضرة ، نضب الري ، غاض الرواء ، من فرط هزالها بدت كأنّها طيف . ومالت عليها سلمى - بملء صدرها حناناً ومحبةً ، وبملء عينيها نظرات أسيانة بلّلتها الدموع - تلبّي النداء : لبّيك يا حبيبة رسول اللَّه ! فرمقتها الزهراء رمقة مواساة ، وهمست : « اسكبي لي غسلًا ، يا أُمّه » . وجئ لها بالماء ، فلمّا اغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل أيام العافية ، هتفت بصاحبتها مرّةً ثانيةً : « إيتيني بثيابي الجدد » . فأتتها بها . . . حتّى إذا ارتدتها ، وسوّتها على جسدها النحيل لا ينكشف منه شيء ، قالت : « اجعلي فراشي وسط البيت » . عندئذٍ روِّعت سلمى أشدّ ترويع ، في قلبها تحجّر الألم ، في عينيها ماتت النظرات ، كلّ ما حولها ذاب في الذهول . فلغير هذه الخاتمة الفاجعة أعدّت المرأة نفسها ، وجلست مجلسها ذاك عند قدمي سيدة النساء . كانت تأمل البرء للحبيبة التي يعتصرها الذبول ، تحلم لها بالشفاء كلّما سرح بها الفكر إبّان يقظة النهار ، أو في أيّما غفوةٍ غابرةٍ تلمّ بها إن سجا الليل ، ولوّنت الظلمة الأُفق بالسواد . فلولا أن قد شلّتها الرهبة صوتاً وحركةً ، لملأت المكان بالنواح والعويل . لكن بسمةً خابية الشعاع رفت على شفتي فاطمة الذابلتين ، أعدتها بابتسام حزين . عندئذٍ همست ، من بين دموعها ، وبصوت متحشرج مضطرب النبرات والرنين : بأبي أنت وأُمي يا حبيبة رسول اللَّه !