ويبس العود ، شحبت الخضرة ، نضب الري ، غاض الرواء ، من فرط هزالها بدت كأنّها طيف .
ومالت عليها سلمى - بملء صدرها حناناً ومحبةً ، وبملء عينيها نظرات أسيانة بلّلتها الدموع - تلبّي النداء : لبّيك يا حبيبة رسول اللَّه !
فرمقتها الزهراء رمقة مواساة ، وهمست :
« اسكبي لي غسلًا ، يا أُمّه » .
وجئ لها بالماء ، فلمّا اغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل أيام العافية ، هتفت بصاحبتها مرّةً ثانيةً :
« إيتيني بثيابي الجدد » .
فأتتها بها . . . حتّى إذا ارتدتها ، وسوّتها على جسدها النحيل لا ينكشف منه شيء ، قالت :
« اجعلي فراشي وسط البيت » .
عندئذٍ روِّعت سلمى أشدّ ترويع ، في قلبها تحجّر الألم ، في عينيها ماتت النظرات ، كلّ ما حولها ذاب في الذهول .
فلغير هذه الخاتمة الفاجعة أعدّت المرأة نفسها ، وجلست مجلسها ذاك عند قدمي سيدة النساء .
كانت تأمل البرء للحبيبة التي يعتصرها الذبول ، تحلم لها بالشفاء كلّما سرح بها الفكر إبّان يقظة النهار ، أو في أيّما غفوةٍ غابرةٍ تلمّ بها إن سجا الليل ، ولوّنت الظلمة الأُفق بالسواد .
فلولا أن قد شلّتها الرهبة صوتاً وحركةً ، لملأت المكان بالنواح والعويل .
لكن بسمةً خابية الشعاع رفت على شفتي فاطمة الذابلتين ، أعدتها بابتسام حزين .
عندئذٍ همست ، من بين دموعها ، وبصوت متحشرج مضطرب النبرات والرنين :
بأبي أنت وأُمي يا حبيبة رسول اللَّه !
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 703
مساهمون: شوقي محمد
ص٧٠٣