من وقوعها في بؤرة الإحساس بقهر المقهور . . . من تنكّر الوليّ الغريم . . . من الظلم الذي طاردتها به الأيام . . . من مجازاتها بجزاء سِنَمَّار « 1 » .
وكان لابدّ - وهذه هي الحال - أن تعاف الناس ، ودنيا الناس ، فتضيق بالعيش ، وتكره الحياة ، وتتطلّع روحها ملهوفةً إلى النزوح .
ولقد أجملت هي خلاصة مشاعرها تلك في كلمات :
قيل : لمّا اشتدّ بفاطمة الوجع ، وثقلت في علّتها ، اجتمع عندها نساء من المهاجرين والأنصار ، فقلن لها : كيف أصبحت من علّتك ، يا بنت رسول اللَّه ؟
قالت وقولها له على شفتيها مثل طعم الصبّار :
« أصبحت واللَّه عائفة لدنياكنّ ، قالية لرجالكنّ . . . لفظتهم بعد أن عجمتهم ، وشنأتهم بعد أن سبرتهم . . . فقبحاً لغلول الحدّ ، وخطل الآراء ، وزلل الأهواء ! ولبئسما قدّمت لهم أنفسهم ! . . . » .
وذاك كلام ممرورٍ ، لا تغسل المرارة عن قلبه أن يمضمض فاه بما في الأرض جميعاً من أمواه !
هكذا غدت الزهراء ، قَلَت البشر ، ومقتت الأشياء ، ولم تعد بها رغبة في أن تمتدّ حياتها بعد يومها الحاضر يوماً آخر .
كلّ قواها النفسية والمعنوية كانت تعمل - لا إرادياً - على أن تقطع ، من مرحلة عمرها هذه الأخيرة ، في ساعات معدودات ، ما قد يقطع غيرها من عمره في سنوات وسنوات .
وما عليها الآن لو تشيخ وتبلغ أجلها ، ما دام هذا هو سبيلها إلى الخلاص ؟
وشاخت في أيام . . . فكلّ يومٍ بعام ، أوبأكثر من عام !
هامش
( 1 ) . وسنمَّار رجل رومي ، بنى الخورنق الذي بظهر الكوفة للنعمان بن امرئ القيس ، فلمّا فرغ منه ألقاه من أعلاه فخرّ ميّتاً ، وإنّما فعل ذلك لئلّا يبني مثله لغيره ، فضرب العرب به المثل لمن يجزي بالإحسان الإساءة . ( مجمع الأمثال للميداني 1 : 220 - 221 ) .