تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 699

مساهمون:

ص٦٩٩
بل كان لابد أن تنوء ، ومثل حملها لينوء بالعصبة أُولي الأيد والقوة والعزم من الرجال . * * * وبدأ الانهيار . . . الزيت أخذ ينضب « 1 » في المصباح . . . الفتيلة راحت ترتجف . مع كلّ صباح كانت تنداح على محيّاها الهادئ قطرة جديدة من الشحوب . . . اللون يحول . . . انكسرت العينان المضيئتان . . . في صدرها اشتجرت الأنفاس . . . علا السحر ، وضاق النحر ، فاختلط على منسميها الشهيق والزفير . وبين الفينة والفينة كانت تتطلّع إلى صغارها بنظرات غائمة من خلال قلبها الملهوف . لهم اللَّه ! أحان لهم أن يذوقوا من ألم اليتم ما ذاقت يوم شيِّعت أُمها خديجة لتثوى في ثرى الحجون ؟ غير أنّ حزنها لهم لم يمنعها أن تستشعر راحة النفس والبال ، لكأنّي بيد قدسية لا مرئية غسلت كيانها كلّه بالسكينة . رحل الشجن . . . ذاب الألم . . . العبوس في ملامحها استحال بسمة . . . انقشع الغيم عن عينيها ، وبرق فيهم نجمان يتلألآن ، قد ألقيا نوراً يخترق ظلام المجهول . ليس خيالًا هذا الذي - أحسبها - تراه ، ليس أضغاث أحلام ، ليس رؤيا منام . أَوَ لم يعدها رسول اللَّه وهو يتأهّب لرحلة الوداع أن سيلتقيان عمّا قريب ؟ إنّ وعده لحقّ ، وإنّ « القريب » قد حان . وإنّه ليتراءى لها - من فرط شوقها اليه ، كما كان من قبل - ترائيه ، ليكاد ينهض ليستقبلها مشوقاً بين ذراعيه ، ليكاد يبسط ثوبه ، وهو يفسح لها في جلسةٍ إلى جواره مثلما اعتادت واعتاد .
هامش
( 1 ) . ينضب : ينقص ، يقلّ .