والمقابلة بين فاطمة والرسول لا تخفي عنّا آثار هذا التطوّر والانتقال .
وأول ما يتبدّى لنا في فاطمة من ملامح خلائقها ومعالمها النفسية الموروثة : تلك القوة الإيمانية الجبّارة التي أمدّتها بيقينٍ صابرٍ عنيد ، يساند الحقّ ، ويلزم سمته ، ويواكب مسيرته مهما اعترضتها العقبات ، وحالت الحوائل ، وتألّبت « 1 » عليها الخصومات .
وهل أظهر صورةٍ للعناد في نصرة الحقّ ، والصبر على مكاره طريقه من أن تقف قريش بقضّه وقضيضها « 2 » ، بخيلها ورجلها ، بمالها وسطوتها في وجه محمد ، فلا تستطيع أن توهن عزمه أوتردّه خطوة إلى الوراء ؟
واعدته الثراء والملك ، وتوعّدته العذاب والهلك ليطرح عنه الأمر الذي جاءها به ، ودعاها اليه ، فلم تلن قناته ، ولم يأبه فتيلًا بالوعد أو الوعيد ، بالسلطان أو الموت ، وإنّما ثبت حيث هو ، وقال بكلّ الثقة والإصرار : « واللَّه لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه ما تركته » « 3 » .
وتكشف القوة الإيمانية في الزهراء عن معدن نقيٍّ كالذهب ، صلب كالفولاذ ، هو عماد شخصيةٍ مستقلّةٍ منفردة ، لا تخضع لعنف ، ولا تُوخذ بلين ، ثم لا يغفل لها قدر ولا يهمل حساب .
ولئن كان ميراث هذه القوة قد انتهى إليها من خلال أبٍ وأُمٍّ هما مَثَلان فريدان في الآباء والأمهات فلقد يغني هنا أن يقال : إنّ ميراثها من أبيها يغطّي كلّ ميراث .
إرث إيماني ، ثريّ بلا حدود ، هو ملء الأرضين وملء السماوات ، انتقل من أبٍ هو أعظم من ارتقى بالعقيدة في ذهن الإنسان إلى أعلى درجةٍ من درجات الربوبية
هامش
( 1 ) . تألّب : تجمّع وتحشّد .
( 2 ) . أي جميعهم ، يقال : جاء القوم قضّهم وقضيضهم ، أي كلّهم وجميعهم .
( 3 ) . أخرجه الألباني في السلسلة الضعيفة : رقم ( 909 ) .