فلم تُجِنّ الأنفس الطاهرة والوجدانات النقية قوةً إيمانيةً كالقوة التي أجنّتها الزهراء ، ولم يعرف تاريخ البشرية - على امتداده - ثباتاً كثبات بني علي وفاطمة على حقّهم في الإمامة أو في خلافة الرسول .
« حُوربوا فيها زمناً وتولّاها من لاشكّ عندهم ولا عند الناس في فضلهم عليه ؛ كيزيد بن معاوية ، فأنفوا أن يتركوها استخذاءً وخضوعاً . . . وحاربوا فيها كما حُوربوا ، وصمدوا للطلب الحثيث طالبين ومطلوبين مائة سنة ، ثم مائتين ، ثم ثلاثمائة سنة حتّى دانت لهم الخلافة باسمهم في عهد الدولة الفاطمية . . . فلولا خصال فيهم تعين على هذا النضال ، لما ثبتو هذا الثبات . . . فإذا كان مرجع هذه الخصال إلى وراثة - ولابدّ لها من نصيب من الوراثة - فقد ورثوها عن فاطمة كما ورثوها عن علي ، بل هي إلى ميراثهم من الزهراء أقرب منها إلى ميراثهم من الإمام . . . » « 1 » .
وإذا خيِّل لامرئ أنّهم طلبوها حكماً ، يتسنّمون به غارب السلطة ، فما كان أقرب أيديهم منها ساعة وفاة الرسول ، ولا أحد عندئذٍ يعلم الخبر ، ولا مطمع فيها لطامع يرجوها لنفسه على خلاف معهم أو على اتّفاق . . . لكنّهم لم يطلبوها غاية ، وإنّما طلبوها وسيلة .
ولا ملامة عليهم في ذلك ، لأنّهم الأولى بالولاية ، الأعرف بحقّها ، الأقدر على القيادة على نهجها المستقيم .
والولاية - لامريّة - هي أقصر الطرق إلى تحقيق الخير العام وإن رأينا الوالي - أيّ والٍ - مهما أصاب ، لا يعدم قادحاً من هنا ، وشانئاً من هناك .
فالكمال لربّ الكمالات .
ولقد طلبت فاطمة وعلي الإمرة أو الخلافة إيماناً واحتساباً في اللَّه . . . ثم طلبها بنوهما من بعد ابتغاء وجه اللَّه ، وعلى سنن رسوله والزهراء والإمام
« وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ
هامش
( 1 ) . فاطمة الزهراء والفاطميون ، للعقّاد . ( المؤلّف )