على هذا تدلّنا قصّة الدنانير ، وبه نطق قول عائشة ، وبنفس ألفاظه حدثنا علي بن الحسين « 1 » ، وفي معناه وردت روايات آخرين « 2 » .
بل قد زادت السيدة أُم المؤمنين في حديثها حتّى شملت الوصيّة ، فنفت أن النبي عند موته أوصى بشيءٍ لإنسان : « ولا أوصى بشيء » .
سُئل عبداللَّه بن أوفى : هل كان النبي أوصى ؟
قال : لا .
قيل : كيف كتب على الناس الوصية ، وأُمروا بها ؟ !
قال : أوصى بكتاب اللَّه « 3 » .
وورد أيضاً : ذكروا عند عائشة أنّ علياً كان وصياً . . . فقالت السيدة : متى أوصى إليه ! وقد كنت مسندته إلى صدري ، فدعا بالطست ، فلقد أثخنت في حجري ، فما شعرت أنّه قد مات ، فمتى أوصى إليه ؟ ! « 4 » .
وما ذكر من هذا الحوار الذي دار بين ابن أوفى وصاحبه بشيء مفهومه بأنّه إنّما قيل في مقام غير هذا المقام ، لأنّه يخرج بنا عن محلّ الكلام ، وينحرف بسامعيه إلى غير مقتضى حديث عائشة الذي نفت به وجود تركة « مالية » في ذمّة الرسول ، كما نفت وجود وصيّة في هذه التركة على السواء .
والحال هكذا في حديثها الثاني الذي عرض فيه ذكر « الإمام » .
فأمّا أنّ النبي صلوات اللَّه عليه قد أوصى بالقرآن ، فذاك هو « البلاغ » الذي جاء من أجله ، والذي ما فتئ يردّده على أسماع الناس ، تارةً من خلال الآيات المنزَّلة
هامش
( 1 ) . رواه ابن سعد في الطبقات 2 : 317 بسنده عن عديّ بن ثابت عن علي بن الحسين عليهما السلام ، ولفظه : « توفّي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولم يدع ديناراً ولا درهماً ، ولا عبداً وأمةً » . والملاحظ أنّه لم يذكر العقار ولم يشر إليها .
( 2 ) . كرواية عكرمة عن ابن عباس ، وزاد : « ولا وليدة ، وترك درعه رهناً عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير » . الطبقات الكبرى 2 : 317 .
( 3 ) . صحيح البخاري 3 : 1006 ب 1 من أبواب الوصايا ح 2589 ، والسائل هو طلحة بن مصرّف .
( 4 ) . المصدر السابق : ح 2590 ، و 4 : 1619 ب 78 مرض النبي صلى الله عليه وآله ووفاته ، من كتاب المغازي ح 4190 .