هنا يجيء الجواب سؤالًا بسؤال ، فيقال : وهل هما اثنان ؟
الأمر هنا أشبه بأن يقال : نصف الإناء فارغ ! ثم يقال : نصف الإناء ملآن !
عبارتان مختلفتان . . . صحيحتان ؛ لأنّ الإناء واحد ، ولأنّ حجم الامتلاء فيه مساوٍ لنفس حجم الفراغ ! إنّما التباين من وضع إلى آخر ، فإنّه في اختلاف الميل بين زاويتي الرؤية .
فليس محمد إلَّاالرسول الذي شاء ربّك أن يكون - والرسالة القدسية وديعة في يمينه - من بني الإنسان ، وليس الرسول غير الإنسان الذي شاء ربّك أن يكون - وهو في إطاره البشري - محمداً خاتم المرسلين .
وكما أنّه محال انسلاخه من بشريته - بطوعه أو بقهرٍ من قوةٍ مخلوقةٍ جبريةٍ - فمحال أيضاً انسلاخه من رسالته الربّانية .
فالرسالة ليست ثوباً ينضوه بنفسه عن نفسه ، أو ينضوه عنه سواه ، ذلك لأنّها تكليف من اللَّه ، وما هو من اللَّه مشيئة جرت عليه بقضاء اللَّه فلا خيار له فيه ، ومشيئته سبحانه لا تحدّها من حساب أعمار الخلائق حدود .
إنّها قديمة قدم الأزل ، موغلة في الغد إلى أبد الأبد .
دلالة هذا أنّ الذين سبقوه بالحقب والأدهر « 1 » ، من الرسل والأنبياء ، قد بشّروا به قبل أن يظهر في الناس ، وما بشّروا إلَّاوقد أماط « 2 » لهم ربّ العالمين أستار غيبه الخبيء المكنون ، فرأوا خاتمهم ، إن لم يكن بلحظ العين فبحسّ الوجدان ، وشفيف الروح ، أو بالوحي الأقدس الذي يتنزّل في الروع .
يقول تعالى على لسان السيد المسيح :
« وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ »
« 3 »
.
هامش
( 1 ) . الأدهر والدهور : جمع دهر ، وهو الزمان .
( 2 ) . أماط : أزاح ، كشف .
( 3 ) . الصف : 6 .