ويحدّثنا ثالث : . . . صالحهم رسول اللَّه على النصف ، حتّى أجلاهم عمر بعد أن عوّضهم عن النصف . . . وترك صاحب الرواية كلمة « النصف » بلا توصيف ، فلم يضع النقط فوق الحروف ، كأنّما شاء أن يدع قارئه يختار بين نصف الأرض ، أو نصف المال ، أو نصف الثمر ، أو نصف الجميع !
ثم يزيد حديثه تعميةً ، فيقول : . . . فلم يزل الأمر كذلك حتّى أجلاهم عمر بعد أن عوّضهم عن النصف الذي لهم . . . من مالٍ أتاه من العراق . . . « 1 » .
فإذا اتّجهنا الوجهة الأخرى ، وجدنا من يجعلنا نقطع بأنّ فدكاً : أرضاً وزروعاً وضروعاً ، كانت كلّها فيئاً لرسول اللَّه ، صالح أصحابها عليه .
هذه حقيقة لا شُبهة فيها ، يكفينا بياناً على صدقها : إقرار رئيسها بها ، بما لا يفسح مجالًا لجدال .
جاء في الأخبار : لمّا بلغ أهل فدك ما أصاب خيبر ، بعث رئيس الفدكيّين يوشع ابن نون إلى النبي بالصلح : أن يعطيه فدكاً ، ويؤمنه ويؤمن قومه . . . على أن يعمل في نخيلها بأن يكون له نصف الثمر . . . « 2 » .
وجاء أيضاً : . . . وبقيت بقيّةٌ من أهل خيبر ، تحصّنوا . . . فسألوا رسول اللَّه أن يحقن دماءهم ، ويسيّرهم ، ففعل ، وسمع ذلك أهل فدك ، فنزلوا على مثل ذلك ، فكانت فدك للنبي خاصّةً . . . « 3 » .
ولم يبعد عنّا أنّ صلح خيبر قام على ثلاثة أُسس : أن يُخلِّي أهلُها أموالهم للنبي ، وأن يحقن عليهم دماءهم ، وأن يُسيِّرهم .
فإذا نزل أصحاب فدك على مثل ذلك ، ففدك كلّها إذاً لرسول اللَّه .
ثم دع عنك هذا كلّه إلى قوله تعالى :
« وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ
هامش
( 1 ) . رواه مالك بن أنس عن عبداللَّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم . انظر شرح نهج البلاغة 16 : 210 .
( 2 ) . ذكره ابن أبي الحديد في الشرح 16 : 210 بسنده عن الزهري .
( 3 ) . البداية والنهاية 5 : 249 - 250 .