تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
الكوفة كلّها آنذاك . . . ويرتفع ريعها أحياناً إلى سبعين ألف دينار . فهي - بهذه الصفة - خليقة بأن تزيد في قوتهم المادّية ، وتفوّقهم الاقتصادي بما تغلّه من حاصلات ، فترجّح كفّتهم على كفّة أُولئك الذين كانوا يرون لأنفسهم وحدهم الحقّ في إمرة المسلمين . أم أنّ إثارة قضية « فدك » في تلكم الآونة ، إنّما كان « لعبة » سياسية بارعة ، أُريد بها شغل منافسيهم بهذه القضية الجانبية ، واستدراجهم بها بعيداً عن القضية « الأصلية » المتمثّلة في خلافةٍ قد اقتُنصت من وراء ظهورهم اقتناصاً ، وكانوا موقنين أنّها حقٌّ لهم ليس لغيرهم نصيب فيه ؟ أم أمسك « جهاز الحكم » فدكاً بمخالبه وأنيابه ، لا يردّها على مستحقّيها ، مخافة أن يظنّوا في الحاكم خوراً قد يشجّعهم على المطالبة بما حرموه من سلطان ؟ إنّ التشدّد في مثل هذا المقام هو السلوك الذي يوجبه على الحكّام إضفاء الهيبة ، وضبط الأوضاع ، ورعاية النظام العام . . . والذي يتشدّد في القليل خليق بأن يبدو لخصومه وإنّه لأحرى بأن يتشدّد في الكثير . فذلك من مظاهر القوة التي تكفّ عن الحاكم استهانة الناس به ، وتربّص الطامعين من حوله لانتزاع ما في يديه من سلطان إن غفت عنهم عينه ، أو ارتخى في قبضتيه عنان الأُمور ، لذلك فهو آمن على ملكه ما بقي منافسوه على وهن ، وما شغلتهم الدنيا من شؤونهم بالخاصّ دون العام . قيل « 1 » : إنّما أراد أبو بكر بمنع « فدك » عن فاطمة ، ألّا يظهرا لعلي - وقد اغتصباه الخلافة - رقّةً وليناً وخذلاناً ، ولا يرى عندهما خوراً . . . فأتبعا القرح بالقرح ! وذكر على لسان الإمام جعفر الصادق : لمّا بويع أبو بكر ، أشار عليه عمر أن يمنع علياً وأهل بيته الخمس والفيء وفدكاً ، فإنّ شيعته إذا علموا ذلك تركوه ، وأقبلوا إليك رغبةً في الدنيا .
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد . ( المؤلف ) .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 592 | شوقي محمد / عبد الفتاح عبد المقصود