فأسرعت فباعت القلادة ، واشترت بثمنها عبداً مسلماً أعتقته تقرّباً إلى اللَّه .
* * * لقد كانت فاطمة فيما عهدنا ، تحيى على التعفّف ، وتطعم التقشّف ، وتعيش بالكفاف ، شبعها في العبادة . . . ريّها في الدعاء . . . ثروتها الإيمان .
كانت لا تأخذ من دنياها بنصيبٍ ذي بال ، وإن كادت الدنيا بكلّ كنوزها لتسجد عند قدميها وتدعوها : هلمّي وهاك !
فهل كانت « فدك » تستحقّ من مثلها هذا الغضب المهتاج ؟
سؤال تتفجّر منه الإجابات ، وتدور حوله كدورات الكواكب والأقمار حول نجمٍ انفصلت منه ، فإذا هي جسيمات من نفس الجنس منجذبة إليه لا تزال !
وإذا هذه الإجابات - بالأصل وبالجوهر - بضَع من ذلك السؤال ، فما هي تلكم البضع المتناثرة على أديم « مجرّة » الاستفسار ؟
ربّما يقال : أثمّة من الأُلى يعرفون طبيعة الزهراء من يُعلّق سخطها على هذا العقار ؟ أم من يتتبّع شعورها ويتقصّاه ، ثم يُعيي فكْرَه أن يراه أدخل في باب الحزن منه في باب الحسرة على ما ضاع ؟
أم من لا يكاد يوقن أن قد آسفها من صاحب محمد - رفيق عمره ، وثاني اثنين إذ هما في الغار - إنكاره دعوى نحلتها إلَّاأن تأتيه ببيّنةٍ وبرهان ، كأنّما اهتزّت في عينيه صورتها ، فاختلطت الملامح ، وبهتت الألوان ؟
لكأنّها بمنزل ارتياب ! كأن دعواها ادّعاء ! كأنّ شهادة شهودها افتراء !
وهل شيء هنا أشدّ على نفسها من ظنّة سوء تأتيها ممّن يعرف لها قدرها الرفيع ، ومكانتها العليّة بين القدّيسات المطهَّرات ، وتعرف هي أنّه - من بين أصحاب أبيها المجتبين - كان الأُنموذج الحيّ للولاء والوفاء ؟
ربّما يقال أيضاً : أَوَ لم يؤاسفها منه أن لم يرع فيها ما كانت تحسب أنّه عنده
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 589
مساهمون: شوقي محمد
ص٥٨٩