ومن ساندهم أيضاً من الخصوم .
ونسمع مرةً أخرى أنّ زيداً قال : أمّا أنا ، فلو كنت مكان أبي بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك « 1 » !
* * * لكنّنا لا نشكّ في أنّ غضب فاطمة ما كان لينبثق من فراغ ، بل إنّنا لنراه كان أكبر من « فدك » لو أنّنا عايرناه بمعايير شخصيتها التي اجتمع فيها من مقوّمات السلوك السويّ ما لم يجتمع لغيرها من الأسوياء .
فما كانت لتأبه بالمادّيات ، ولا لتقيم وزناً للمال ، ولا لتتطلّع لعروض المتاع ، ولا لتهتمّ بضرورات الحياة العادية التي يحتاجها غمر « 2 » الناس ، فضلًا عن أوساطهم ، دع ذوي اليسار .
كانت ربّة البيت التي تقوم في عشها الصغير بكلّ جليل وضئيل من الأُمور . . .
تسهر على راحة الزوج ، ترأم الصغار « 3 » ، تطحن بالرحى فتمجل « 4 » منها اليدان ، تستقي بالقربة وتنضح حتّى ليُشفي بصدرها الجهد والبلل على البوار ، توقد تحت قدرها وتنفخ في النار حتّى ليوشك ثوبها على بدنها أن يحترق قبل أن ينضج الطعام !
ومع هذا فلا يأذن لها أبوها بخادمٍ تخفّف عنها بعض ما تعانيه . . . بل قد آذاه أن رآها تتقلّد فلادةً من ذهب أتاها بها عليٌّ من سهمٍ صار اليه ، وقال لها عليه الصلاة والسلام : « يا بنيّة ! لا تغترّي بقول الناس : فاطمة بنت محمد ، وعليك لباس الجبابرة ! » « 5 » .
هامش
( 1 ) . طبقات ابن سعد 2 : 316 .
( 2 ) . غمر الناس : غالبيتهم .
( 3 ) . رَأْم الصغار : رعايتهم .
( 4 ) . مجلت يداه : إذا خشنتا من طول العمل وشدّته .
( 5 ) . ذخائر العقبى : 51 عن أسماء بنت عميس ، وانظر مستدرك الحاكم 3 : 152 و 153 عن ثوبان مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله .