تلقاه وصاحبه عمر ، عندما رأيا لزاماً أن يحسرا عن نفسيهما سخطها فيترضّياها عسى أن ترضى .
ويسّر لهما زوجها اللقاء . . . فلمّا دخلا أشاحت عنهما بوجهها تعتزم الجفوة المقذعة « 1 » والصمت اللاذع « 2 » ، لولا أن راحا يلحفان « 3 » في الرجاء أن تسمع منهما أويظلّا لا يبرحان ما أبت أن تأذن لهما بالكلام .
وأذنت . . . فبادر أبو بكر يخاطبها بأعذب حديث : يا حبيبة رسول اللَّه ! واللَّه إنّ قرابة رسول اللَّه أحبّ إليَّ من قرابتي ، وإنّك لأحبّ إليَّ من عائشة ابنتي . . . أقتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقّك وميراثك من رسول اللَّه ؟ إلَّاأنّي سمعت رسول اللَّه يقول : « لا نورث ، ما تركناه فهو صدقة » .
عندئذٍ رأت ألّا بدّ من ردّ ، فسألته ورفيقه : « أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول اللَّه تعرفانه وتعملان به ؟ ؟ » .
فأسرعا يجيبان : نعم .
قالت : « نشدتكما اللَّه ! ألم تسمعا رسول اللَّه يقول : رضى فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ » .
قال الصاحبان : قد سمعناه من رسول اللَّه .
فرفعت وجهها وكفّيها إلى السماء ، وهي تقول في حرارةٍ ومرارةٍ : « فإنّي أُشهد اللَّه وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت رسول اللَّه لأشكوكما إليه » « 4 » .
* * *
هامش
( 1 ) . المقذعة : الفاحشة .
( 2 ) . اللاذع : المحرق .
( 3 ) . ألحف السائل : إذا ألحّ إلحاحاً شديداً .
( 4 ) . الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة . ( المؤلّف ) .