وقصة الغضب الذي هاج حلم الزهراء ، وأجملته عبارات أُم المؤمنين في إقلال ، تفصح عنه بعض الإفصاح عبارات آخرين . . . فإذا هو غضب عميق جليل .
قيل : فردّت ابنة الرسول محنقةً على خليفة الرسول ، تقول : « واللَّه لا أُكلّمك أبداً ! » .
فيقول : واللَّه لا هجرتك أبداً !
فتزداد غضباً : « واللَّه لأدعونّ اللَّه عليك ! » .
فيردّ الخليفة بهدوء : واللَّه لأدعونّ اللَّه لك !
وأبو بكر - كما معلوم - امرؤ شديد الأناة ، لبق التعبير ، رفيق رقيق .
ويحدثنا الجاحظ : فيحتمل أبو بكر منها هذا الكلام الغليظ ، ويقبل عليها معتذراً ، بقول المعظِّم لحقّها ، المكبِّر لمقامها ، والصائن لوجهها ، المتحنّن عليها : ما أجد أعزّ عليّ منك فقراً ، ولا أحبّ إليّ منك غنىً : ولكنّني سمعت رسول اللَّه يقول : « إنا معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه فهو صدقة » « 1 » .
وتستمرّ حكاية مغاضبة فاطمة لأبي بكر : فلمّا حضرتها الوفاة ، أوصت بأنّه لا يصلّي عليها . . . فدفنت ليلًا . . . وصلّى عليها العباس بن عبد المطلب ، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها ثنتان وسبعون ليلة « 2 » .
ولا خلاف على لحاقها بالنبي وإن اختُلف على المدّة بين الوفاتين ، من أربعين ليلة إلى ستة أشهر .
ولا خلاف أيضاً في أنّ أبا بكر لم يُعْلَم بوفاتها ، ولم يصلِّ عليها وإن كان الأرجح الذي يشبه الإجماع : أنّ من صلّى عليها هو زوجها : علي بن أبي طالب ، وليس عمه العباس .
وقيل أيضاً : وجرت مغاضبتها لأبي بكر إلى أبعد الحدود ، حتّى لقد رفضت أن
هامش
( 1 ) . كتاب العباسية ، لأبي عثمان الجاحظ ، نقلًا عن شرح النهج . ( المؤلّف ) .
( 2 ) . شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد . ( المؤلّف ) .