تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
الجزيرة ، على أودية الرمل ومضايق الجبال ، ثم أتبع سعيهم بجهدٍ جبّارٍ خلّاقٍ لإقامة الدولة البازغة ، وتنسيق نظامها ، وتأمين حدودها من سطوات كسروية فارس ، وطغيان قيصرية الروم . ثم أذن فأدال قوى البناء والخير على قوى الهدم والشرّ ، وغلّب النظرة السليمة على السقيمة ، فعقلت العقول ، وصفت الأنفس ، واغتسلت الخواطر ، وانصقلت الأفكار ، واستضاءت - بنور ربّها - البصائر والأبصار . وبين هذا كلّه راحت الوفود تقبل على محمد من مختلف أنحاء بلاد العرب ، في الأطراف والأعماق ، إقبال النحل على الزهر ، والفراش على الضوء ، تعلن أنّها أسلمت وجهها للَّه‌الواحد ، وجاءت تقبس من النور والرحيق . أفإن شغلت كلّ تلكم الشواغل رسول اللَّه عن شأن نفسه وشأن آله ، فتريّث ببرّه الزهراء بعض تريّثٍ حتّى تحين لحظة فراغ ، استطال على فريقٍ من الناس ذانك العامان ، وقال قائلهم : فيم هذا الاستئخار ؟ أم ليس يوافق هذه الظروف المنتكثة الوقائع ، المضطربة الأحوال أن يغلب المهلُ العجلةَ ، ويتقدّم العامّ على الخاصّ ؟ أم لا يُلفت موتُ زينب ثم أُم كلثوم في سنتين متعاقبتين أباهما المحزون إلى الزهراء : بقية عقبة ، فينحلها من خالص ملكه شيئاً يعينها على قسوة العيش أن كانت ذات عيال وبلا مال ؟ أم كنت تظنّه تاركها على متربةٍ ، وفي يده فضل مالٍ ممّا أفاء اللَّه عليه ، يمنعها مذلّة الإدقاع ؟ أوليس هو القائل : « إنّك إن تدع ورثتك أغنياء ، خير من أن تدعهم عالةً يتكفّفون الناس » « 1 » ؟
هامش
( 1 ) . أخرجه أحمد 1 : 173 ، والبيهقي في السنن 6 : 268 و 269 ، والنسائي في السنن 6 : 242 و 243 كلّهم عن سعد بن أبي وقّاص . وفي مسند أحمد 1 : 168 بلفظ : « إنّك إن تدع أهلك بعيش ، أو قال : بخير . . . » .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 581 | شوقي محمد / عبد الفتاح عبد المقصود