وإذا كانت القوانين الوضعية ما زالت تحكم ؛ استناداً إلى شهادة الواحد مع اليمين ، ما اطمأنّت نفس الحاكم إلى صدق الشاهد ، فلقد سبق الأخذ في الإسلام بالشهادة المفردة .
وثمّة أمامنا قصّة خُزَيْمة بن ثابت دليل .
قيل : اشترى النبي فرساً من أعرابي ، فلمّا جاء ليقبضه الثمن المتّفق عليه أنكر صاحب الفرس ، إذ دفعه طمعه إلى إيثار آخر بها زاده في ثمنها ، فقال له الرسول :
« أليس قد ابتعته منك ؟ » .
- لا .
فشهد خزيمة بن ثابت لرسول اللَّه ، ولم يكن قد شهد البيع .
فسأل الرسول خزيمة « بِمَ شهدت يا خُزَيْمة ولم تحضر البيع ؟ » .
قال : بتصديقك يا رسول اللَّه ، إنّا صدّقناك بخبر السماء ، أفلا نصدّقك بما تقول ؟ « 1 » .
فأقرّ النبي شهادته المفردة ، وجعلها بشهادة رجلين .
ومنذئذٍ أُلحق باسم خُزَيْمة لقب « ذي الشهادتين » .
كذلك ورد في الآثار : أنّ رسول اللَّه وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقضون بشهادة الواحد مع اليمين .
بل كان من حقّ الحاكم أن يحكم بعلمه ، فيقضي للمدّعي بسند دعواه بلا بيّنة ولا شهادة ، لأنّ العلم أقوى من البيّنة والشهادة .
ذكروا : أنّه لمّا جاء مال البحرين بعد وفاة النبي ، أمر خليفة رسول اللَّه فنودي في
هامش
( 1 ) . أخرج الخبر النسائي في السنن 7 : 301 - 302 وأبو داود في السنن أيضاً 3 : 308 من كتاب الأقضية ح 3607 ، وابن الجوزي في الأذكياء : 31 مسنداً عن عمارة بن خزيمة عن عمّه .
وخزيمة هذا هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاري الخَطْمي ؛ أبو عمارة المدني ، شهد بدراً وأُحداً وما بعدهما من المشاهد مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، كما وشهد الفتح أيضاً ، حيث كان يحمل راية بني خَطْمة ، استشهد في صفّين مع علي عليه السلام سنة 37 ه حينما رأى قتل عمار ، فسلّ سيفه وصاح : سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول : « تقتل عماراً الفئة الباغية » فقاتل حتّى قُتل . ( تهذيب الكمال 8 : 243 - 244 ) .