قد اجتباه ، فقدّمه على كلّ من عداه ، لثقته في أهليّته للنهوض بما فوّضه فيها . . . وهي أدنى إلى أن تبرم حينما يرى صاحب الحقّ الشرعي ألا مندوحة له عن التوكيل .
فهل على مثل هذا الشريعة كانت تسير الاحتمالات ؟
لتكاد . . . وليوشك امرؤ أن يقول : إنّما كان ذلك « الأداء » لفتة نبوية ، تمهّد لتوكيد ولاية أبي الحسن على الناس .
فما أن انفضّ الموسم ، وانكفأ المسلمون عائدين من حجّة الوداع ، حتّى أذّن فيهم مؤذّن الرسول ببعض الطريق ، فكفّوا الانطلاق .
كان ذلك في الثامن عشر من ذي الحجّة .
وكان اليوم : الأحد .
وكان « غدير خم » المنزل الذي نزلوه .
وأمر رسول اللَّه فكُسح له تحت شجرتين ، وصلّى بالناس .
يقول الرواة « 1 » : ووقف عليه الصلاة والسلام ، فخطب خطبةً عظيمةً ، فبيّن فيها أشياء ، وذكر من فضل علي وعدله وقربه إليه ، ما أزاح به من النفوس ما افتأت به عليه بعض الناس وظلموه .
وقال ، فيما قال :
« كأنّي دُعِيت فأجبت . . . إنّي قد تركت فيكم الثقلين : كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي » « 2 » .
هامش
( 1 ) . السيرة النبوية ، لأبي الفداء . ( المؤلّف ) .
( 2 ) . حديث الثقلين من الأحاديث المشهورة التي اتّفق الفريقان على روايته ، بأسانيد متعدّدة ، حتّى روي من طريق أهل البيت وحدهم باثنين وثمانين طريقاً . راجع على سبيل المثال : كتب التفسير ، عند تفسير آية الاعتصام وآية المودة وآية التطهير ، ورواه الدارمي 2 : 432 ، والنسائي في الخصائص : 30 ، والحافظ الكنجي في كفاية الطالب : « وقال : رواه أبو داود وابن ماجة القزويني ، ورواه أيضاً ابن سعد 4 : 8 ، وابن الجوزي في التذكرة : 332 ب 1 ، ومحب الدين في الذخائر : 16 والقندوزي في ينابيع المودة : 18 و 25 و 30 و 32 و 34 و 95 و 115 وغيرها » .