ثمّة فيها صور رسمتها الكلمات فإذا هي مسموعات ، وبها كلمات اصطكّت فيها الحروف بالحروف ، لتبعث بروقاً تلقي ظلالًا ، فإذا هنّ جميعاً مشهودات .
فالصورة كلمة مرئية ، والكلمة صورة مسموعة .
ولقد كانت فاطمة عندئذٍ تسمع ما تنطق به الصور ، وتشهد ما ترسم الكلمات . . .
وكانت صافية الذهن ، يقظانة الوعي ، صاحية الانتباه .
ولقد تلوح شاردة النظر ، غائصة اللون ، معقودة الجبين ، فلا يكون سهومها وشحوبها وقطوبها إلَّاأجنّة الألم النفسي التي تمخّضت عنها أرحام الهموم . . .
أوتتبدّى وفي عينيها بكاً « 1 » تجمد ، إذ شوى شجنها « 2 » المحرق جفنيها ، فقدّد « 3 » الدموع . . .
أو تراها وعلى خدّيها عبرتان ثبتتا لا تبرحان ، قد انغرستا فيهما انغراس حلقتي المغفر يوم أُحد في وجنتي الرسول الجريح .
وربّما شِمْتَها ، وهي كارهة لهذه الدنيا الخدّاعة ، قد أثقلتها الحياة ، وفدحتها المعاناة ، فراحت تتحلّب شفتيها تحلّب الطفل ثدي أُمه الذي نضب « 4 » لبنه ، فازورّ « 5 » عنه وهو أسيف .
وأيّ الأحاسيس كان يعتلج « 6 » في صدرها حينذاك ؟
أفكان فمها مليئاً بالمرّ ؟
كأنّه كان !
كأنّ شفتيها ثمرتا حنظل ! وكأنّ لسانها شريحة من الصبّار !
أمّا فؤادها الشجيّ ، فهو من ثقلٍ أشبه بصخرةٍ انحطّت من قمّة جبلٍ شاهقٍ ، ثم
هامش
( 1 ) . البُكا : الدمع .
( 2 ) . الشجن : الحزن .
( 3 ) . قدّد : قطع .
( 4 ) . نضب : غاض ونَشَف .
( 5 ) . ازورّ : مال وأعرض .
( 6 ) . اعتلج : اعتلى .