ألغاز تحيّر العقول ، أوّلها هو هذه العقول !
* * * أفانساح بفاطمة مثل هذا الشعور المجهول ؟
لقد كانت الدنيا عندئذٍ كريهةً مقيتةً ، شوهاء الهيئة ، مريرة الطعم ، شلاء الإقبال ، سادرة الإدبار .
فالحدث الخطير المنتظر لا يُرى بلمح البصر ، لا يُسمع - قبل أن يقع - في خبر ، لا يوزن بقانون الكتلة ، لا يُحسب بلغة الأرقام . . . لكنّه يُدرك بالحدس الصادق ، والحسّ الشفيف .
فيا ليت حدسها لا يصدقها هذه المرّة ! ليته لا يصيب ! ليته يخيب في هذا الحدث ثم ينجح فيما عداه من كوارث وملمّات وإن كنّ مئات ، ومئات مئات !
وإذا كانت الدلالات تشير بالأصابع الثابتة إلى موت الرسول ، فلقد يصدق الإيماء ، ثم يظلّ الموعد معلّقاً بالمجهول .
ولقد تختلف على الدلالة التآويل . . . ولقد تتأرجح بين الاسترابة والاستيقان ، فتميل آونةً نحو الاحتمال ، وتميل آونةً نحو التقرير .
ومع ذلك ، فأين في الخلق من لا يموت ؟
إنّما المعوّل هنا على التوقيت والتمكين ، أو وقت الوقوع ومكان الوقوع .
ودون هذا وذاك أجل مكتوب . . . ومشيئة اللَّه . . . وحدس صادق كأنّه إلهام .
* * * ولكم تزاحمت الآن تلك الدلالات ، دلالةً بعد دلالة توالت في ذهن الزهراء ، من وراء الماضي الذي غار عادت تدبّ على أرض المشهود .
ووقفت الابنة الحزينة تصغي وتنظر - في صمتٍ ووجدٍ - إلى هذا الذي يفرزه البال . . . إنّها أحاديث وأحداث راحت تترسّل أمامها في موكب الزمان .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 534
مساهمون: شوقي محمد
ص٥٣٤