يشكّ أنّها مفتوحة بإذن اللَّه على يد ذلك الموكول بآجال الكفّار .
فهل يندبه الرسول الآن ، أم يدخره حتّى يئين الأين ، ويأتي اللَّه بقضاءٍ لازمٍ ما عنه حِوَل ولا منه نجاء ؟
وتتابعت الأيام والحصار يضيق ، وأصحاب الصياصي « 1 » يستميتون في الدفاع ، حتّى حسب الناس أنّ اليهود قد تعاقدوا على الموت وهم وقوف ، فألفوا من جسومهم جُدُراً صلبة هي التي تحمي الحصون ، وليست تحتمي بالحصون !
وكان حصن « ناعم » أعصاها على هجمات المسلمين ، وقد شاء اللَّه أن يبتلي بهذا الحصن اثنين من خيرة أصحاب نبيّه فانطلقا على تعاقب ، كلّ في يوم ، ليفتحاه .
أمّا الأول : أبو بكر ، فقد قاتل بالذين معه قدر وسعه أعنف قتال ، وأشدّ صيال ، فلم يغن عنه ما قاتل وما صال . . . وبقي « ناعم » على نفس وضعه ، كمثل لغز ضلّت عن سرّه حِيَل الحلول وألمعية العقول .
ولم ير الرجل بُدّاً من العودة ، فعاد .
وأمّا الثاني : عمر بن الخطّاب ، فقد حاول جهده في الغداة ، ثم لم يكن قصاراه ، كسلفه ، غير ركونه للارتداء .
وأوشك إخفاق الصاحبين أن يصيب ثقة المسلمين في أنفسهم بالتوهين .
لكنّ الرسول بادر فنادى في الناس : « لأُعطينّ الراية غداً رجلًا يحبّ اللَّه ورسوله ، ويحبّه اللَّه ورسوله » « 2 » .
فتطاولت أعناقهم إلى الموعود !
أم كانوا في دخيلتهم يعلمون من يكون ؟
هامش
( 1 ) . الصياصي : الحصون .
( 2 ) . تواتر هذا الحديث ، واستفاضت طرقه ، نقلته كتب الحديث والتاريخ والسيرة والمناقب والتراجم بألفاظ متقاربة لا تضرّ بالمعنى قيد شعرة ، أخرجته كتب الصحاح والسنن برمّتها ، وأحمد وابن سعد وعاصم والخطيب والطبراني والهيثمي وابن كثير في البداية والنهاية والنسائي في الخصائص وأبو نعيم في الحلية . . . لو أحصيناهم لتطلّب مساحة كبيرة من صفحات هذا الكتاب .