وإذ أمّن عليه كيد يهود ، إذ أفرغ منهم مشارف المدينة ، فقضى على بعضٍ ، وأجلى آخرين .
فقد ظلّ يخشى بني جلدتهم المقيمين بخيبر في شمال حاضرته أن تتحرّك في نفوسهم ثارات قومهم أحقادهم فيمالئوا عليه « هرقل » ، وإنّهم - فيما خَبِرَهم - لأشدّ مقتاً له وللذين آمنوا ، وأشرس عداوةً من كلّ خصمٍ لئيم .
أفيدهم حتّى ينالوه ؟
بل الأولى به أن يخضد « 1 » شوكتهم ، ويقمع « 2 » شرّتهم ، ويسحق فيهم رأس الأفعى التي تتلمّظ « 3 » لتنشب فيه نابها المسموم .
فإن هي إلَّاعدّة أيامٍ ، لا تعدوالشهر ، أعقبت هدنة الحديبية ، حتّى سيّر إليهم سرّاً فرقةً غازيةً ، بلغت مواقعهم المنيعة بعد ثلاث ليال .
وبُغِت أصحاب الآطام .
ما أن أسفر الصبح حتّى فوجئ عمّالهم ، وهم خارجون من صياصيهم إلى المزارع ، أن رأوا بحيالهم جند المسلمين ، وها لهم ما شهدوا ، فولّوا مدبرين يتصايحون : هذا محمد والجيش معه !
وسمعهم الرسول ، فقال : « خربت خيبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين ! » « 4 » .
وعلى ما كانت حصونهم عليه من منعة ، وسلاحهم من وفرة ، وأولياؤهم من بعض قبائل العرب من قوة ، فقد كتب عليهم ربّك الخسران .
ودار القتال . . . واستعصى على المجاهدين فتح بعض الحصون ، ولم يكن أحد
هامش
( 1 ) . يخضد الشوك : قطعه .
( 2 ) . قمع : استأصل .
( 3 ) . تلمَّظ : إذا أخرج لسانه ويدور به حول شفتيه .
( 4 ) . رواه مسلم 2 : 1045 ب 14 من أبواب النكاح ح 1365 و 3 : 1426 ب 43 من أبواب الجهاد والسير ح 1365 وما بعده ، كلاهما عن أنس ، وأحمد في المسند 3 : 11 ، 111 و 4 : 28 .